الدكتور لهوى رابح
محامٍ معتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة
العنوان: شارع النصر، رقم 171، العلمة، ولاية سطيف
الهاتف: 0555.86.27.55
✉ البريد الإلكتروني lahouarabeh@gmail.com
ذاتيــــــــة قانــــــــــــــون العقوبـــــــــــــــــات
تمهيد:
اولا: خصائص قانون العقوبات.
ثانيا: أهداف قانون العقوبات.
ثالثا: اصالة قانون العقوبات
أولا- خصائص قانون العقوبات:
يتميز قانون العقوبات بمجموعة من الخصائص، من بين أهمها طبيعته التي تجلعه ينتمي الى القانون العام، و ان نصوصه كلها امرة في يمضمونها تلزم المخاطب بها عن طريق التكليف بالالتزام باموامره و نواهيه، وز لعل الصفة الجزائية التي تتميز بها القاعدة الجنائية تضفي عليه نوعا من الذاتية فيما يقرره من جزاءات تخالف تلك التي تقررها باقي فروع القانون، و هو ما سنحول تفصيله على النحو التالي:
أ- قانون العقوبات فرع من فروع القانون العام([1]):
لا تقتصر نصوص قانون العقوبات على حماية حقوق الدولة والهيئات العامة وانما يتقرر اغلبها لحماية حقوق الافراد، و من هنا ثار التساؤل عن هوية هذا القانون و انتمائه؟ هل ينتمي الى القانون الخاص باعتبار اغلب نصوصه قد تقررت لحماية مصالح الافراد و حقوقهم؟ أم أنّه ينتمي الى كل من القانون الخاص و القانون العام باعتبار أنّ بعض نصوصه تحمي حقوق الافراد فيعتبر فرعا من فروع القانون الخاص، و البعض الآخر يحمي حقوق الدولة فيعتبر فرعا من فروع القانون العام؟([2]) لقد اثارت هذه المشكلة خلافا بين فقهاء القانون الجنائي و يتبلور الخلاف في ثلالثة اتجاهات رئيسسية بين من يعتبره فرعا من فروع القانون الخاص، و بين من يرى خلاف ذلك فجعل طبيعته كفرع من فروع القانون العام، و بين من يوفق بين الرأيين فيرى بطبيعته المزدوجة.
1- الأتجاه الأول: قانون العقوبات فرع من فروع القانون الخاص.
يرى جانب من الفقه ادخال قانون العقوبات ضمن إطار القانون الخاص، وذلك على أساس أنّ أغلب قواعده تهدف إلى حماية حقوق الأفراد في أشخاصهم وأموالهم. فضلا على أنّ هناك دورا للأشخاص في تحريك الدعوى الجنائية عن الجرائم كدور المدعي المدني، و دور المجني عليه في حالة الرضا كسبب من أسباب الإباحة([3])، و تعليق تحريك الدوعى الجنائية الناشئة عن بعض الجرائم على شكوى المجني عليه و أيضا دور صفح الضحية على مآل الدعوى التي تنهي الى الانقضاء كما هو الحال في جريمة الزنا([4])، و القذف و السب و السرقة بين الأصول و الفروع و الأزواج و العنف اللفظي و النفسي ضد الزوج([5]).
الإتجاه الثاني: قانون العقوبات فرع من فروع القانون العام
يذهب الراي السائد والراجح إلى أنّ قانون العقوبات يعتبر فرعا من فروع القانون العام على الرغم من أنّه يحمي مصالح الأفراد فضلا عن مصلحة الدولة، و لا يثور أيّ شك في ذلك بالنسبة للقواعد التي تحمي حق للدولة كحقها في أمنها الداخلي و الخارجي، و حقها في نزاهة الوظيفة العامة، و حقها في الحفاظ على المال العام، فهذه القواعد تنتمي الى القانون العام العام بلا جدال، أمّا القواعد الّتي تحمي حقوقا للأفراد فالواقع أنّها تنتمي إلى القانون العام
- ذلك أنّ المشرع إنّما يستهدف من خلال حماية حقوق الأفراد حماية مصلحة المجتمع المتمثلة في أن يأمن أفراده على حقوقهم فيستطيع كل منهم أن يؤدي دوره فيه على أحسن نحو. فالمشرع حين يجرم السرقة أو القتل أو الضرب لا يرمي أساسا الى حماية مصلحة المعتدى عليه، وإنّما يستهدف حماية حق الملكية أو حق الحياة أو الحق قي سلامة الجسم، حيث تعتبر هذه الحماية وسيلة المجتمع إلى اقرار الأمن والسلام والنظام في ربوعه ([6]).
و على ذلك، فإنّ قواعد القانون الجنائي سواء منها ما تقرر لحماية مصالح الدولة أو حماية مصالح الأفراد، إنما تستهدف في النّهاية تحقيق مصالح المجتمع، و تضع الجاني في مواجهة الدولة و ليس في مواجهة المجني عليه، و حتى في الأحوال الّتي تشكل فيها الواقعة الجرمية انتهاك لحق الفرد فهي كذلك تضع الجاني في مواجهة المجتمع، ذلك أنّ الشارع الجنائي لا يحمي حقا لفرد إلاّ إذا قدر أهميته بالنسبة للمجتمع، إذ بغير ذلك لا يكون جديرا بالحماية المغلظة التي يسديها الجزاء الجنائي، و يعني ذلك أنّ الحماية الجنائية للحق دليل على أنّه –في تقدير الشارع- حق للمجتمع إلى جانب كونه حقا للفرد ([7]) .
- كما أنّ الدعوى الّتي تنشأ بارتكاب الجريمة هي أساسا دعوى عامة يملكها المجتمع وتباشرها النيابة العامة بإسمه، ولا يملك الضحية أن يستعملها أو يتنازل عليها، كما أنّ العقوبة توقع بإسم المجتمع وتنفذ في حق المحكوم عليه ولو عفا عنه الضحية ([8])، و لو كان قانون العقوبات يحمي حقوقا خاصة لأنبنى عليه أن يكون لصحاب الحق أن يتصرف فيه و أن يتنازل عن حماية القانون له و هو غير جائز، و لذلك فإنّ قواعد القانون الجنائي تنتمي كلها إلى القانون العام.
و إذا كان المشرع يعلق على شكوى المجني عليه تحريك الدعوى العمومية الناشئة عن بعض الجرائم، و اذا كان بعض الفقه يذهب الى اعتبار رضا المجني عليه سببا للاباحة في بعض الجرائم كالاتلاف و قتل الحيوانات فليس في ذلك ما ينفي عن قواعد القانون الجنائي المتعلقة بهذه الجرائم أنّها جزء من القانون العام ([9]).
و هكذا فان الاعتراض الاول الذي مؤداه بان رضا المجني عليه يبيح افعالا تعد جرائم، فهذا يعني أن قانون العقوبات يحمي بهذه الجرائم حقوقا خاصة، فأنه يرد على هذا بأن رضا المجني عليه لا يبيح الفعل الا إذا كان للمجني عليه مطلق التصرف في الحق المقصود بالحمياة، و امر نادر ثم أن وقوع الفعل برضا صاحب الحق لا ينم مطلقا عن اعتداء، فأذا اتلف شخص مالا برضاء صاحب المال فلا يقال انه اعتدى على حق الملكية([10]).
اما بخصوص الاتعراض الني الذي مفاده بأن القانون لا يجيز رفع الدعوى العمومية في بعض الجرائم الا بناء على شكوى من المجني عليه كما في الزنا و السرقة بين الاصول و الفروع، فاذا قدمت الشكوى فان لمقدمها الحق في التنازل عنها فتنقضي الدعوى العموميمة، فهذا دليل على أنّ قانون العقوبات يحمي بهذه الجرائم حقوقا خاصة و رد على هذا الاعتراض بان هذه الجرائم قلة ضئيلة في قانون العقوبات لا تؤثر على عموم القاعدة و قد روعيت فيها اعتبارات خاصة، و لا ترتبط حالات الشكوى بالجرائم التي يبيحها رضا المجني عليه ، فالزنا مثلا جريمة تمس الاسرة و هي نواة المجتمع فلم يقصد يبتجريمها مصلحة مباشرة للزوج المجني عليه، و حقوق الزوجية ليست من الحقوق التي يجوز التصرف فيها فاالاعتداء عليها لا يصححه سبق رضا الزوج المجني عليه بالزنا اما ان الشارع يعلق السير في الدعوى على شكواه فلانه يرى ان مصلحة الاسرة قد تتحقق بعدم اثارة الفضيحة و هو امر يقدره الزوج المجني عليه و الامر كذلك في السرقة بين الاصول ([11])، و من ثم نخلص الى أن الاحكام الاجرائية الخاصة لا تنفي القيمة الإجتماعية لهذه الحقوق و نعقتد جزما أن قانون العقوبات استنادا الى الحجج السابق بيانها التي تؤازها ايضا الردود عن الاعتراصات اللموجهة لهذا الراي أنه فرع من فروع القانون العام
الاتجاه الثالث: الطبيعة المختلطة لقانون العقوبات
يذهب جانب من الفقه بأن القانون العقابي – بمعناه الواسع- الذي يتضمن الاجراءات الجزائية و القوانين التكميلية لا يدخل ضمن اطار القنون العام و لا ضمن اطار فروع القنون الخاص و أنه يعتبر مزيجا من النوعين معا ، تاسيسا على أن له صلات عديدة بكل فروع القانون العام و الخاص معا، فهو في الوقت الذي ينظم فيه العلاقة بين الدولة و الأفراد ينظم أيضا العلاقة بين الافراد فيما بينهم، هذا فضلا عن صلته بالقانون الدولي العام و هو قانون خارجي([12]). و توسط البعض فقال ان أحكام قانون العقوبات ذات طبيعة مختلطة تهدف الى تامين مصلحة المجتمع و حقوق الافراد على السواء فلا يستنى ادخاله في القانون العام او الخاص ([13]).
أ- قانون العقوبات له الصفة التقييمية والامرة في الوقت ذاته:
اذا كان قانون العقوبات ينظم الافعال و الوقائع المنهي عنها و يقرر عقوبة لمرتكبها، فانه يتضمن بالضرورة أوامر للمخاطبين بأحكامه بعدم إتيان تلك الافعال و الا تعرضوا الى للعقوبات المنصوص عليها و معنى كل ذلك أن كل قاعدة تجريمية بتحديدها للواقعة المجرمة تنطوي على امر بعدم ارتكابها، و قانون العقوبات لا ينص على تلك الاوامر صراحة و أنما تستفاد من نصوصه فهو لا يامر صراحة بعدم السرقة و القتل و إنما يجرم السرقة و القتل و من خلال هذا التجريم تستفاد الصفة الآمرة للقاعدة التجريمة([14]).
فقانون العقوبات قانون آمر تتعلق مجمل قواعده بالنظام العام اذ ينظم علاق طرفيها الدولة من ناحية و الفرد المتهم او الجاني من ناحية اخرى، و هكذا لا يتصور الاتفاق على مخالفة القاعدة الجنائية الموضوعية او الأجرائية، فالجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات تمثل عدوانا على قيمة جوهرية من قيم المجتمع أو مصلحة اساسية من مصالح أفراده([15]).
كما أنّ الدولة تحتكر سلطة توقيع العقاب بوسائل الاكراه بواسطة دعوى عمومية يتقلص فيها إن لم ينعدم دور الضحية في العفو او تعطيل حق العقاب، و ما الحالات التي يجيز فيها المشرع التصالح بين الجاني و المجني عليه أو تعليق رفع الدعوى العمومية على شكوى المجني عليه أو طلب أو استئذان أحد الجهات الا محض اسثناءات([16])، و من ثم نخلص الى أنّ قانون العقوبات تتميز احكامه بكونها النظام العام لتعلقها بالمصالح الجوهرية لأمن الدولة و الجماعة فلا يجوز الاتفاق على ما يخالف تلك الاحكام تحت أي وصف كان، و من طرف أي كان، إلا وفقا لما هو منصوص عليه في القانون([17]).
و اضافة لما سبق فأن الصفة الامرة تتواجد الى جانبها صفة اخرى تتمثل في تقييم الافعال الضارة بالمصالح محل الحماية الجزائية، فالمشرع الجزائي قبل تكليفه للفاراد بالاوارم المختلفة بعدم تحقيق سلوك معيّن، و ترتيب اثر قانوني على مخالفة ذلك الأمر، إنما يقوم سلفا بتقييم الافعال الجديرة بالتجريم لاضرارها أو لتهديدها بالضرر للمصالح محل الحماية الجزائية و لذلك فأن مخالفة الامر التشريعي من قبل المكلفين بمراعاته إنما تفترض سلفا أنّ السلوك المتحقق منهم هو سلوك غير مشروع لتعارضه و المصالح التي حماها المشرع في نصوصه التجريمية، اما الظروف الشخصية لمرتكب الواقعة المجرمة و ما إذا كان اهلا لتنفيذ الاوامر التشريعية من عدمه فهي تقدر عند بحث مسؤوليته عن ارتكاب الواقعة غير المشروعة ، أي عند التحقق من توافر الركن المعنوي للجريمة([18]).
فقواعد قانون العقوبات تقوم ايضا بتقويم و تقدير سلوك الفرد، بمعنى انها تعكس موقفا بأن هذا السلوك مخالف أو مطابق لاهداف هذا القانون و المجتمع([19]) .
قانون العقوبات له الصفة الجزائية
العقوبة جزاء يقرره القانون و يوقعه القاضي على من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب جريمة،حيث ان جوهر العقوبة هو الايلام المقصود و يتمثل في ضرر يصيب حقا قانونيا للمحكوم عليه، سواء في بدنه او في ذمته المالية، او اعتباره([20]).
و معنى ذلك أن ردة الفعل القانوني على مخالفة التكليف يتمثل في جزاء يأخذ شكل الايلام المقصود و المتمثل في العقوبة، و العقوبة تنطوي دائما على انتقاص من حقوق الشخص الخاضع لها، فخلال فالفترة التجريمية السابقة على مخالفة القاعدة التجريمية يباشر النص على العقوبة اثرا تهديديا على نفسية المخاطبين باحكام هذه القاعدة بحيث تشكل باعثا مانعا من ايتيان السلوك المحضور جزائيا، اما بعد ارتكاب الجريمة وثبوت المسؤولية الجزائية عنها فإنها تهدف إلى اصلاح الجاني و تأهيليه إجتماعيا حتى لا يعود إلى الجريمة مستقبلا، و إذا كانت الجزائات غير الجزائية انما تهدف الى احداث التوزان بين المصالح، و بالتالي تشكل ضربا من التعويض، فإن العقوبة كجزاء جنائي ترمي إلى تأكيد وظيفة الدولة في الحفاظ على المصالح الجوهرية للمجتمع و هي فضلا عن ذلك تتضمن ارضاءا للشعور الاجتماعي بالعدالة و بالتالي تنطوي في جوهريها على قيمة أخلاقية([21]).
و هذه الخصيصة تشترك فيها العقوبة مع تدابير الامن، فلا مرية ان التدبير الواقي انتقاص من حقوق المحكوم عليه يهبط بمنزلته في تقدير المجتمع و القانون، عن تلك التي يحتلها المواطن العادي، و يرجع الى كونه قد اثبت بالجريمة التي اقترفها انه على خلاف هذا المواطن ([22])..
وظائف قانون العقوبات:
1- الوظيفة الجزائية:
يتميز قانون العقوبات عن غيره من فروع القانون بوظيفته الجزائية من خلال فرض عقوبات معينة تتولاها الدولة جزاء لمن يرتكب الجرائم التي ينص عليها.
و يتميز قانون العقوبات عن غيره من فروع القانون التي تنص على جزاءات معينة، مثل القانون المدني، فانه و بالنسبة الى قواعد المسؤولية المدنية يرتب جزاءات مدنية معينة بسبب الفعل الضار اذا ما انعقدت المسؤولية التقصيرية او بسبب الاخلال بشروط العقد، اذا ما نعقدت المسؤولية العقدية، اما قانون العقوبات فلا يتدخل بالتجريم و العقاب الا اذا اقتضت ذلك الضرورة الإجتماعية و بقدر يتناسب مع الهدف من الجزاء الجنائي أي العقوبة([23]). و هي الوظيفة التي لا يتردد اقضاء في تاكيدها([24]).
الوظيفة الحماية للنظام العام الجنائي:
يستهدف قانون العقوبات حماية المصالح المعتبرة سواء كانت مصالح اجتماعية او فردية، و يرى المشرع الجنائي أنها جديرة أن يسبغ عليها حمايته، و تتمثل تلك الحماية في تجريم الافعال التي تصيب بالضرر او تعرض للخطر مصلحة من تلك المصالح و تقرير الجزاءات الرادعة لمن يرتكب تلك الافعال([25]).
و هذه الحماية وجب ان تراعي طابع التطور و مسايرة المتغيرات و يبدو ذلك واضحا في تاثير كل من الثورة الفرنسية في القرن التاسع عشر و ثورة المعلومات و التركنولوجيا في القرن العشرين، هذا فضلا عن التحديات التي ولدها هذا القانون من خلال إعلانات و وثائق حقوق الإنسان و ظهور أشكال جديدة من الإجرام و الجرائم العابرة للأوطان و لا شك في أنّ هذه التغيرات تعبر عن القيم السائدة و ظرورة مواجهة الإجرام المعاصر بوسائل فعالة تفرض على المشرع مراجعة قانون العقوبات و ادخال التعديلات اللازمة عليه لتحقيق هذا الغرض و كافة المصالح التي يحميها قانون العقوبات على اختلافها و التي نسميها في مجموعها بالنظام العام الجنائي([26]) و هو لا يكون كلذلك الا كان قانون العقوبات انعكساسا لحالة المجتمع و ترجمة لقيمه الاساسية([27]).
ارضاء الشعور بالعدالة:
فمن الوجهة الاخلاقية، يجيب توقيع جزاء مقابل للجريمة، ذلك ان اعتبارات العدالة التي حلت في الفكر الانساني محل الانتقام تقتضي هذا الامر، فالشعور العام للناس يقتضي مقابلة الشر بالجزاء و تاييدا لذلك يقول الفيلسوف"كانط": (ان غاية الجزاء و وضيفته هي قبل كل شيء ارضاء الشعور بالعدالة المتاصل في النفوس البشرية)"([28])
لا شك ان قانون العقوبات لا يستعدف فقط حماية المصالح الخاصة الافراد و المجتمع فقط، و انما يسعى ايضا من خلال توقيع الجزاء على مركتب الجريمة ارضاء حاسة العدالة التي تتأذى من خروج المرجم على قيم المجتمع و خرق بنيانه، و لا تعود العدالة سيرتها الاولى الا اذا لحق بمرتكب الجريمة أذى و لو لم يقابل ذلك الذي تسبب فيه للمجتمع و للمجني عليه و بتوقيع الجزاء الملائم على المسؤول عن الجريمة تتحقق المجازاة العادلة أذ يكون اذى العقوبة مقابلا عادلا لاذى الجريمة و لذا وجب ان تتساوى معه([29]).
غير ان الشعور بالعدالة لا يتحقق فقط بتوقيع الجزاء على من قارف الجريمة بل من الظروري كلذلك محاولة ترضية الضحية بمضان تعويض مناسب جبرا للضرر الذي مني به جراء هذه الجريمة، هذا التعويض تسعى الى تحقيقه الدولة المكلفة بحماية الفرد داخل الجماعة، لانّ الجريمة ما كانت لتقع لولا تقصير الدولة في بسط الحماية لكل افراد المجتمع، فإذا عجز الفاعل عن ضمان التعويض المستحق تحملته الدولة باعتبارها ضامنة لمن لا ضامن له([30]).
تحقيق الردع العام و الردع الخاص:
ان الجريمة قديمة قدم المجتمع الانساني ذاته، و كذلك العقوبة باعتبارها رد فعل مقابل لهذه الجريمة، و قد اصطبغت العقوبة في العصور القديمة بفكرة الانتقام من مرتكب الجريمة، و كان هذا الانتقام في البداية فرديا يلجا اليه كل فرد اعتدي على ماله او مصالحه دون حاجة الى تدخل الجماعة ثم أخذت العقوبة طابع الانتقام العام الذي تتولاه السلطة السياسية ضد مرتكبي الجرائم ثم تحولت بعد ذلك الى مرحلة التكفير الديني و في مرحلة لاحقة لم تعد العقوبة مجرد رد فعل يتمثل في الانتقام و انما اصبحت لها وظيفة معينة و هدف محدد هو منع و تحذير الافراد من ان يقدم احدهم على ارتكاب جريمة في المستقبل([31]).
وحيث إنه لما كان الهدف من العقوبة الجنائية هو الزجر الخاص للمجرم جزاء لما اقترف، والردع العام للغير ليحمل من يُحتمل ارتكابهم الجريمة على الإعراض عن إتيانها
التوازن بين مصلحة المجتمع و الحقوق و الحريات:
يتعين على المشرع اجراء موازنة دقيقة بين مصلحة المجتمع من جهة و الحقوق و الحريات من جهة اخرى و يتولى ذلك من خلال ثلاثة اساليب:
الاول تجريم أفعال المساس بالحقوق و الحريات و مصلحة المجتمع، مثل المساسا بالحق في الحياة الخاصة أو الحق في الحياة، أو الحق في سلامة الجسم ، و تمتد هذه الحماية الجنائية في ذات الوقت إلى الصلحة العامة و خاصة النظام العام. ([32])
الثاني: كفاة الحقوق و الحريات من خلال التوازن في تجريم المساس بها و ترجيم المساس بمصلحة المجتمع، فلا يجوز أ تكون حماية المصلحة العامة أو حماية حقوق الغير وسيلة للعصف بالحقوق و الحريات مثل حرية التعبير، و حق نشر الاخبار، و حرية البحث العلمي، و حق النقد، فتجريم المساس بالحق في سلامة الجسم لا يجوز أن يمس الحق في العلاج، و تجريم المساس بالحق في الحياة لا يجوز أن يتم التضحية بالحق في حياة شخص اخر اوى بالاعتبار مما يخوله القنون الحق في الدفاع الشرعي عن النفس،([33]) و في هذا الصدد قد يتعرض الفرد لمخاطر التجريم اذا ما تعرض للنوايا. ([34]).
او ظهرت نصوصه غامضة([35]) أو غير دقيقة ([36])أو إمتد التجريم باثر رجعي الى وقائع سابقة على صدور النص التجريمي او جاءت العقوبة قاسية لو مهينة أو غير متناسبة مع جرمه([37]).
، و لهذا فان شرعية التجريم و العقاب تتوقف على احترام المشرع الجنائي لمعيار الضرورة و التناسب عند سن القواعد الجنائية ابتغاء ضمان التوازن بين الحقوق و الحريات و الصملحة العامة. ([38])
الثالث: هو ضمان التمتع بالحقوق و الحريات كقيد على الاجراءات الجنائية تتخذ لاقتضاء حق الدولة في العقاب تحقيقا لمصلحة المجتمع، فإذا تطلب القانون صدور الامر من سلطة التحقيق بالقبض على المتهم او تفتيشه فلا يجوز ان يكون ذلك بالتضحية على نحو مطلق بحقه في الحرية أو حقه في حرمة مسكنه، كما ان محكامة المتهم لا يجوز ان تحرمه من حقه في الدفاع و من التمتع بالحقوق الاخرى بالتوازن مع سلطة الاتهام. و هو ما يبرز دور قانون الاجراءات الجزائية في تكملة اهداف قانون العقوبات.
مدى استقلالية قانون العقوبات عن باقي فروع القانون الاخرى
نعني بالنظام القانوني العام مجموعة القواعد القانونية السائدة في دولة معينة، و هذه القواعد مختلفة باختلاف طبيعة الموضوعات التي تنظمها، و لكن على الرغم من اختلافها فهي متكاملة، ظاي تتضامن فيما بينها في تنيظم المجتمع، فلا يغني بعضها عن بعض، ثم هي متسقة، فينبغي الا يكون بينها تعارض، و هي في النهائية متساندة، فتطبيق بعضها قد لا يكون مقتضيا الرجوع إلى البعض الآخر، و قانون العقوبات جزء من النظام القانوني العام، فما علاقته بسائر اجزائه؟([39]).
ان الاجابة على هذا التساؤل تثر امرين: الاول: بيان ما اذ كان قانون العقوبات فرع من فروع القنون العام أم من القانون الخاص. الثاني تحديد طبيعة العلاقة بين قانون العقوبات و باقي فروع القانون.
قانون العقوبات فرع من فروع القانون العام([40]):
لا تقتصر نصوص قانون العقوبات على حماية حقوق الدولة و الهيئات العامة و انما يتقرر اغلبها لحماية حقوق الافراد و من هنا ثار التساؤل عن هوية هذا القانون و انتمائه؟ هل ينتمي الى القانون الحاص باعتار اغلب نصوصه قد تقرر لحماية مصالح الافراد و حقوقهم؟ أم انه ينتمي الى كل من قالنون الخاص و العام باعتبار ان بعض نصوصه تحمي حقوق الافراد فيعتبر فرعا من فروع القانون الخاص، و البعض الاخر يحمي حقوق الدلوة فيعتبر فرعا من فروع القانون العام؟([41])
لقد اثارت هذه المشكلة خلافا بين فقهاء القنون الجنائي و يتبلور الخلاف في ثلالثة اتجاهات رئيسسية:
الأتجاه الأول: قانون العقوبات فرع من فروع القانون الخاص
يرى جانب من الفقه ادخال قانون العقوبات ضمن اطار القنون الخاص،باعتبار أنّ قانون العقوبات يقصد به في الاغلب حماية حقوق و التزامات ينص عليها القانون الخاص، فالقانون الجنائي هو الحارس للنظام القانوني ([42]). فضلا على أنّ هناك دورا للاشخاص في تحريك الدعوى الجنائية عن الجرائم كدور المدعي المدني، و دور المجني عليه في حالة الرضا كسبب من أسباب الإباحة([43]) ، و تعليق تجريك الدعوى الجنائية الناشئة عن بعض الجرائم على شكوى المجني عليه كما الحال في جريمة الزنا([44])، و القذف و السب و السرقة بين الأصول و الفروع و الأزواج([45]).
الإتجاه الثاني: قانون العقوبات فرع من فروع القانون العام
يذهب الراي السائد و الراجح إلى أنّ قانون العقوبات يعتبر فرعا من فروع القانون العام على الرغم من انه يحمي مصالح الافراد فضلا عن مصلحة الدولة، و لا يثور أي شك في ذلك بالنسبة للقواعد التي تحمي حق للدولة كحقها في امنها الداخلي و الخارجي، و حقها في نزاهة الوظيفة العامة، و حقها في الحفاظ على المال العام، فهذه القواعد تنتمي الى القانون العام العام بلا جدال، اما القواعد التي تحمي حقوقا للافراد فالواقع انها تنتمي الى القانون العام، ذلك ان المشرع انما يستهدف من خلال حماية حقوق الافراد حماية مصلحة المجتمع المتمثلة في ان يامن افراده على حقوقهم فيستطيع كل منهم ان يؤدي دوره فيه على احسن نحو. فالمشرع حين يجرم السرقة او القتل او الضرب لا يرمي اساسا الى حماية مصلحة المعتدى عليه، و انما يستهدف حماية حق الملكية او حق الحياة او الحق قي سلامة الجسم، حيث تعتبر هذه الحماية وسيلة المجتمع الى اقرار الامن و السلام و النظم في ربوعه([46]).
و على ذلك فان قواعد القانون الجنائي سواء منها ما تقرر لحماية مصالح الدولة او حماية مصالح الافراد، انما تستهدف في النهاية تحقيق مصالح المجتمع، و تضع الجاني في مواجهة الدولة و ليس في مواجهة المجني عليه، و لكن اذا ارتكتب الجريمة اعتداء على حق لفرد فهي كذلك تضع الجاني في مواجهة المجتمع، ذلك أنّ الشارع الجنائي لا يحمي حقا لفرد إلاّ إذا قدر أهميته بالنسبة للمجتمع، إذ بغير ذلك لا يكون جديرا بالحماية المغلظة التي يسديها الجزاء الجنائي، و يعني ذلك أنّ الحماية الجنائية للحق دليل على أنّه –في تقدير الشارع- حق للمجتمع إلى جانب كونه حقا للفرد ([47]) .
كما ان الدعوى التي تنشا بارتكاب الجريمة هي اساسا دعوى عامة يملكها المجتمع و تباشرها النيابة العامة باسمه، و لا يملك الضحية ان يستعملها او يتنازل عليها كما ان العقوبة توقع باسم المجتمع و تنفذ في حق المحكوم عليه و لو عفا عنه الضحية([48]) و لو كان قانون العقووبات يحمي حقوقا خاصة لانبنى عليه ان يكون لصحاب الحق ان يتصرف فيه و ان يتنازل عن حماية القانون له و هو غير جائز ، و لذلك فان قواعد القانون الجنائي تنمي كلها الى القانون العام.
و اذا كان المشرع يعلق على شكوى المجني عليه تحريك الدعوى العمومية النشئة عن بعض الجرائم، و اذا كان بعض الفقه يذهب الى اعتبار رضا المجني عليه سببا للاباحة في بعض الجرائم كالتلاف و قتل الحيوانات فليس في ذلك ما ينفي عن قواعدالقانون الجنائي المتعلقة بهذه الجرائم انها جزء من القانون العام.
و هكذا فان الاعتراض الاول الذي مؤداه بان رضا المجني عليه يبيح افععالا تعد جرائم، فهذا يعني أن قانون العقوبات يحمي بهذه الجرائم حقوقحا خاصة ، فأنه يرد على هذا بأن رضا المجني عليه لا يبيح الفعل الا إذا كان للمجني عليه مطلق التصرف في الحق المقصود بالحمياة، و امر نادر ثم أن وقوع الفعل برضا صاحب الحق لا ينم مطلقا عن اعتداء، فأذا اتلف شخص مالا برضاء صاحب المال فلا يقال انه اعتدى على حق الملكية([49]).
اما بخصوص الاتعراض الني الذي مفاده بأن القانون لا يجيز رفع الدعوى العمومية في بعض الجرائم الا بناء على شكوى من المجني عليه كما في الزنا و السرقة بين الاصول و الفروع، فاذا قدمت الشكوى فان لمقدمها الحق في التنازل عنها فتنقضي الدعوى العموميمة، فهذا دليل على أنّ قانون العقوبات يحمي بهذه الجرائم حقوقا خاصة و رد على هذا الاعتراض بان هذه الجرائم قلة ضئيلة في قانون العقوبات لا تؤثر على عموم القاعدة و قد روعيت فيها اعتبارات خاصة، و لا ترتبط حالات الشكوى بالجرائم التي يبيحها رضا المجني عليه ، فالزنا مثلا جريمة تمس الاسرة و هي نواة المجتمع فلم يقصد يبتجريمها مصلحة مباشرة للزوج المجني عليه، و حقوق الزوجية ليست من الحقوق التي يجوز التصرف فيها فاالاعتداء عليها لا يصححه سبق رضا الزوج المجني عليه بالزنا اما ان الشارع يعلق السير في الدعوى على شكواه فلانه يرى ان مصلحة الاسرة قد تتحقق بعدم اثارة الفضيحة و هو امر يقدره الزوج المجني عليه و الامر كذلك في السرقة بين الاصول ([50])، و من ثم نخلص الى أن الاحكام الاجرائية الخاصة لا تنفي القيمة الإجتماعية لهذه الحقوق و نعقتد جزما أن قانون العقوبات استنادا الى الحجج السابق بيانها التي تؤازها ايضا الردود عن الاعتراصات اللموجهة لهذا الراي أنه فرع من فروع القنون العام.
الاتجاه الثالث: الطبيعة المختلطة قلنون العقوبات
يذهب جانب من الفقه بأن القانون العقابي – بمعناه الوساع- الذي يتضمن الاجراءات الجزائية و القوانين التكميلية لا يدخل ضمن اطار القنون العام و لا ضمن اطار فروع القنون الخاص و أنه يعتبر مزيجا من النوعين معا ، تاسيسا على أن له صلات عديدة بكل فروع القنون العاو و الخاص معا، فهو في القوت الذي ينظم فيه العلاقة بين الدولة و الأفراد ينظم أيضا العلاقة بين الافراد فيما بينهم، هذا فضلا عن صلته بالقانون الدولي العام و هو قانون خارجي([51]). و توسط البعض فقال ان أحكام قانون العقوبات ذات طبيعة مختلطة تهدف الى تامين مصلحة المجتمع و حقوق الافراد على السواء فلا يستنى ادخاله في القانون العام او الخاص ([52]).
المحاضرة الرابعة
التعريف بالجريمة و تحليلها القانوني
تمهيد:
أولا- تعريف الجريمة:
لم تعنى غالبية التشريعات بايراد تعريف للجريمة تاركة بذلك هذه المهمة للفقه، و يؤيد البعض هذا التوجه التشريعي خشية ان يجيء تعريف المشرع للجريمة مشوبا بالقصور او عدم الشمول، فضلا على أنّ هذا التعريف لن يكون له فائدة كبيرة من الناحية القانونية بعد ان حدد المشرع الجرائم كافة و بين اركانها و قدر عقوبتها الامر الذي يعدو معه ايراد تعريف عام للجريمة بلا جدوى([53]).
و عموما فان هناك اتجاهين اساسين في تعريف الجريمة الاول شكلي و الثاني موضوعي ([54])، بينا يرى بعض الفقه انه يتازع في تعريف الجريمة اتجاهان احدهما مادي و الاخر شخصي، و يهتم الاتجاه المادي بالفعل المادي اما الاتجاه الشخصي فانه يقيس الجريمة بالنظر الى الارادة الاثمة لمرتكبها و مدى خطرتها صاحبها على المجتمع([55]).
الاتجاه الشكلي يجعل مناط التعريف هو العلاقة الشكلية بين الجريمة و قانون العقوبات، فالجريمة من الناحية الشكلية أو في عبارة اخرى من "الناحية القانونية" فالجريمة هي "الواقعة التي ترتكب بالمخالفة لقواعد ذلك القانون و يترتب عليها عقوبة جنائية" ([56])، أي هي" كل عمل او امتناع عن عمل يحضره القانون و يقرر عقوبة لمرتكبه" ([57]).
و قد انتقد هدا التوجه في تعريف الجريمة لانه يهمل جوهر الجريمة و لا يمنحه أيّ قيمة قانونية، و انما يبرز فقط العلاقة الشكلية بين الواقعة المرتكبة و بين النص التجريمي. بينما الجريمة في حقيقتها واقعة تنطوي على ضرر أو تهديد بالضرر لمصلحة حماها المشرع الجنائي بقواعده([58])، كما انتقد هذا التعريف لكونه تعريف للجريمة باثرها – أي العقاب الذي يقرره الشارع لها- و ليس بعناصرها التي تقوم عليها([59]).
و لهذا فان الجانب الشكلي وحده لا يكفي لتعريف الجريمة و اعطاء فكرة واضحة عن جوهرها، فاذا قصرنا تعريف الجريمة على انها فعل يخالف قاعدة جنائية رتب له المشرع عقوبة جنائية، فاننا لا نكون بذلك قد اوضحنا المُعرف و لا نعدو ان نكون قد كررناه، لهذا فان في اضافة الجانب الجوهري لتعريف الجريمة ما يساعد على ادراك حقيقة الجريمة([60]).
في حين يركز الاتجاه الموضوعي على جوهر الجريمة باعتبارها واقعة ضارة بالمصالح الاساسية للمجتمع و التي يقوم عليها امنه و كيانه، و بالتالي فان الجريمة وفقا لهذا الاتجاه هي "الواقعة الضارة بكيان المجتمع و امنه"([61])، أو هي "عدوان على مصلحة من المصالح التي عليها يؤسس المجتمع في زمن معين بقاءه و استقراره و بها يسير نحو رقيه و كماله" ([62]).
و هو توجه لم يسلم من النقد، فان هو تمكن من ابراز جوهر الجريمة كواقعة ضارة بامن المجتمع و كيانه، الا انه لا يصلح لدراسة الجريمة كنظام قانوني، فلا يكفي لاعتبار واقعة ما جريمة ان تحتوي على مقومات الاضرار بمصالح اجتماعية لازمة لامن الجماعة، و انما يستلزم ان تكون نلك المصالح قد اخذت بعين الاعتبار من قبل السلطة المنوط بها تقييم الافعال الضارة بالمجتمع اي السلطة المختصة بالتشريع، و من اجل ذلك نجد أن هناك افعالا ضارة بمصالح اجتماعية معينة دون ان ترقى إلى مصاف التجريم لان المشرع لم يرها جديرة بالحماية الجزائية. و ما يترتب عليها من عقوبة جزائية، و لذلك فان الاتجاه الموضوعي يصلح فقط لاظهار الباعث على التجريم و لا يصلح لبيان التكوين القانوني للجريمة([63]).
و في راي بعض الفقه ان تعريف الجريمة يجب ان يؤخذ فيه الجانب الشكلي و الموضوعي معا فهناك من الافعال ما يكون متعارضا من الناحية الشكلية مع القواعد التجريمة و مع ذلك لا تكون جريمة باعتبار انها لم تضر بالمصلحة المحمية بنصوص قانون العقوبات، فالذي يمس بسلامة جسم شخص آخر اثناء ممارسة الالعاب الرياضية يحقق من الناحية الشكلية السلوك المجرم بنصوص قانون العقوبات المتعلقة بالضرب، بينما الامر ليس كذلك طالما كان في اطار قواعد اللعبة، كما أنّ الشخص الذي يقتل غيره دفاعا عن النفس، فعل يحقق من الناحية الشكليّة جريمة القتل المنصوص عليها بالمادة 354 ق ع بينما لا يشكل فعله جريمة لانه لم يضر بالمصلحة التي حماها المشرع في تلك النصوص([64]).
و في باب المفاضلة بين الاتجاهين السابقين يرى الفقه ان الاختلاف بينهما ظاهري، و يرجح التعريف الذي يجمع بينهما بكون الجريمة هي كل سلوك يمكن اسناده الى فاعله يضر او يهدد بالخطر مصلحة اجتماعية محمية بجزاء جنائي([65])، ووقاع الامر ان الجريمة لا تقوم بغير فعل مادي و ارادة اثمة ، فلا تقوم الجريمة بغيرهما معا فالجريمة ليس محض فعل مادي مخالف للقانون، او ارادة اثمة ضد القانون، و انما هي تجمع بين الاثنين و لا قيام لها بدونهما([66]) فالتعريف الشامل ما اجتمعت فيه عناصر الجريمة من نص تجرمي و سلوم محضور وفقا لهذا النص و ارادة اثمة قامت في حق من يمكن اسناد الفعل اليه.
ثانيا- عناصر التعريف:
1- تفترض الجريمة ارتكاب فعل يتمثل في الجانب المادي لها:
فهي من ناحية اولى سلوك، لانها لا تقوم قانونا دون ارتكاب فعل مادي و هو ما يعبر عنه اصطلاحا بمبدأ مادية الجريمة la matérialite de l'infraction pénale فلكي تقوم الجريمة قانونا لا بد من ارتكاب قدر من السلوك المادي([67])، و نعني بالفعل اللسوك الاجرامي ايا كانت صورته، و على هذا النحو يتخذ الفعل مدلولا اصطلاحيا واسعا، يشمل النشاط الايجابي كما يتسع للامتناع، و مثال النشاط الايجابي تحريك الجاني يده لاخلاس مال الغير او تحريك لسانه للنطق بعبارات تعد قذفا، و مثال الامتناع احجام القاضي عن الحكم في دعوى طرحت عليه او احجام الام عن ارضاع وليدها ([68]).
ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته - تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذا عليه قانونا. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيا في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة([69]) و لو اجهر الراغب في ارتكاب الجريمة نوازعه متى تجردت نواياه من كل سلوك يمكن نعته بالمادية([70]).
2- تفترض الجريمة ان الفعل غير مشروع طبقا لقانون العقوبات:
لا قتوم الجريمة بفعل غير مشروع، و لانعدام المشروعية - طبقا للقنون الجنائي - القواعد الخاصة التي تحدده و هي لا تتفق حتما مع القواعد غير الجنائية مما يؤدي الى اختلاف التكييف القانوني للفعل في القانون الجنائي عنه في قانون اخر. فالفعل المشروع طبقا للقانون الجنائي لا تقوم به جريمة و لو كان غير مشروع طبقا لقانون اخر، و يوصف الفعل بانه غير مشروع اذا تضمن القانون نصا يجرمه و لم يكن في الظروف التي ارتكب فيها خاضعا لسبب من اسباب الاباحة ([71]).
3- تفترض الجريمة صدور الفعل غير المشروع عن "ارادة جنائية":
سبق و ان اشرنا الى ان الجريمة سلوك انساني فهي اذن صادرة عن انسان فلا يتصور وقوع جريمة من غير انسان أو من الشخص المعنوي فيما خلى بعض الاستثنياءات و لهذه الخصيصة اهمية خاصة. فلا يكفي لقيام الجريمة وقوعها من انسان و انما ينبغي ان يكون هذا الانسان متمتعا بالتمييز و الاختيار فان تجرد الشخص من ملكة تمييز افعاله و ادراكها لا يعد من الوجهة القانونية المحضة مرتكبا لجريمة اي لا تجوز مساءلته جنائيا ([72]).
فالجريمة ليست ظارهة مادية خالصة بل هي عمل انسان يسال عنها و يتحمل العقاب من أجلها و لذلك يجب ان تكون ذات اصول في نفسيته و بغير العلاقة بين شخصية الجاني و ماديات الجريمة يستحيل تحديد شخص تقوم مسؤوليته عنها([73]). وهكذا فان صغير السن و المجنون و السكران اضطرارا تمتنع مساءلتهم الجزائية لانتفاء ملكة التمييز و الادراك لديهم، كما ان تجرد الشخص من ارادة حرة مختارة يحول ايضا دون مسائلته جزائيا عن الجريمة التي ارتكبها([74])، كالشخص الذي يرتكب الجريمة في حالة اكراه أو ضرورة. و يطلق على العوارض الخمسة موانع المسؤولية الجزائية (صغر السن، الجنون، السكر الاضطراري، الاكراه، الضرورة)، ففي الموانع الثلاثة الاولى يتجرد الانسان من ملكة التمييز و الادراك، و في المانعين الاخرين ينعدم لديه عنصر الاختيار([75]).
4- تفترض الجريمة ان القانون يقرر لها عقوبة او تدبير امن:
يمثل الجزاء او العقوبة أحد اهم مفترضات الجريمة، فثمة افعال غير مشروعة اخرى كالمخالفات المدنية و الادارية يرتب عليها القانون اثارا معينة دون ان تصل إلى حد توقيع الجزاء الجنائي على المخالف، فما يميز الجريمة عما يشابهها هو عنصر الجزاء. و قد يتمثل هذا الجزاء غالبا في العقوبة كالعقوبة البدينة او المالية و قد ياخذ الجزاء الجنائي صورة التدابير الاحترازية او الوقائية، و في ذلك تتفوات اغراض العقوبة بين الردع و الاصلاح و اعادة تأهيل المجرم مع المجتمع([76]).
ثالثا- التمييز بين الجريمة و بين صور المخالفات القانونية الاخرى:
ليست الجريمة الجنائية هي الصورة الوحيدة من صور الافعال غير المشروعة قانونا و نا كانت اعظمها شانا من حيث المصلحة الإجتماعية التي وقع الاعتداء عليها و اشدها جسامة من حيث استحقاق فاعلها للجزاء . و ثمة افعال اخرى غير مشروعة بل إن ما يطلق عليها احيانا وصف الجريمة كالجريمة المدنية و الجريمة التأديبية و لكن ينغي الحذر من الخلط بين الأفعال غير المشروعة الاخرى و بين الجريمة الجنائية([77]).
أ- الفرق بين الجريمة الجنائية و الجريمة المدنية:
تتميز الجريمتان من حيث المصدر و النتيجة و الجزاء.
فمن حيث المصدر la source تجد الجريمة المدنية le delit civil مصدرها في كل فعل سبب ضررا للغير، و الافعال التي يمكن أن تلحق على هذا النحو ضررا بالغير غير قابلة للحصر، فالقانون المدني لا يتضمن قائمة الأفعال التي يمكن اعتبارها ضارة بالغير([78])، و اكتفى المشرع بالقول في صن المادة 124 من القانون المدني " كل فعل ايا كان مرتكبه الشخص بخطئه، و سبب ضراا لغير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض"، اما الجريمة الجنائية le délit pénal فمصرها الوحيد هو النص الجزائي تطبيقا للشرعية الجنائية([79])، على نحو لا يجوز متابعة شخص عن فعل لا يعتبر جريمة في نظر القانون.
و رغم قيام الجريمتين على عنصر الخطأ فلا يجوز القول بأنّ كل خطا ندني يرقى درجة الجريمة الجزائية و بالعكس يمكن ان يكون الخطا الجزائي خطا مدني اذا ترتب عليه ضرر , و عليه فصمدر عدم المشورعية في الخطا المدني نص عام يطبق على جميع الأخطاء، في حين في قانون العقوبات لكل جريمة نص خاص بها عملا بحكم المادة الأولى من قانون العقوبات، و على هذا جاءات الجرائم في قانون العقوبات و القوانين المكلمة حصرا في حين جاء نص القانون المدني مطلقا مما يسمح للقاضي المدني البحث عن الخطأ و تقييمه([80])
و اما من حيث النتيجة le résultatفانه لا يتصور وقوع الجريمة المدنية دون ضرر، و يكون على القاضي تحديد حجم هذا الضرر، و ليس الامر كذلك بالنسبة للجريمة الجنائية و التي تمثل عدوانا على امن الجماعة و استقرارها و سكينتها فلا يشترط فيها وقوع عنصر الضرر اصل عام فمثة جرائم جنائية تقوم قانونا و لو لم يكن هناك اي ضرر، بل تقوم بمجرد تحقق الخطر، و الخطر حالة واقعية ينشا بها احتمال حدوث اعتداء ينال الحق أو الملصحة القانونية([81]) و مثال السياقة في حالة سكر، و حمل سلاح ابيض دون مقتضى شرعي... الخ و هي الجرائم التي تعرف بـ" جرائم النشاط المجرد".
و عدم لزوم نتجية يبدو من ناحية اخرى، حتى في الجرائم التي يدخل المشرع فيها النتيجة في اعتباره، ذلك أنّ عدم تحقق النتجية لن يعفىي الفعال في كل الاحوال من العقاب كما هو الحال بالنسبة ""لشروع في الجريمة" حيث يبدأ الفاعل نشاطه الاجرامي دون ان يبلغ النتيجة لاسباب لا دخل لارادته فيها([82])، وفق ما هو منصوص عليه بالمادتين 30- 31 من قانون العقوبات الجزائري.
و من حيث الجزاءla sanction يتمثل الجزاء في الجريمة المدنية في التعويض و يستفيد منه الشخص المضرور، بينما تعد العقوبة هي الصورة الغالبة للجزاء في حالة الجريمة الجنائية، و العقوبة هنا لا توقع لصالح المجني عليه و لا يتسفيد منها، و انما توقع باسم المجتمع و لصالحه، و لا يجب الخلط بين الجزاء المدني (التعويض) و الغرامة المالية (صورة من صور الجزاء الجنائي) و الغرامة تقرر لفادئة الدولة وليس للمجني عليه([83]).
ب- الفرق بين الجريمة الجنائية و الجريمة التأديبية:
الجريمة الادارية هي عمل أو امتناع عن عمل يصدر عن شخص ينتمي الى هيئة او طائفة او مهنة معينة اخلالا بما يجب عليه نحوها من واجبات و اضرارا بمصالحا أو مساسا بكرامتها ([84]) و يعاقب عليها بواسطة قوانين و لوائح خاصة ([85])، و تتميز الجريمتان من حيث صاحب الحق المعتدى عليه ، المصدر و النتجية و الجزاء.
من حيث صاحب الحق المعتدى عليه: هو الجماعة باسرها في الجريمة الجزائية، بينما هو الطائفة او ارباب المهنة التي ينتمي اليها الفاعل في الجريمة الادارية، و يترتب على هذا الفارق ان الجريمة الأولى تنظرها نفس الهيئة المعتدى عليها و تشكيلها الاداري، بينما تنظر الجريمة الجزائية هيئة قضائية اي المحكمة و تشكيلها قضائي، و تتولى الهيئة المعتدى عليها بنفسها اتهام الفاعل الذي ينتمي اليها بيتنا تتولى النيابة العامة تحريك الدعوى الجزائية و مباشرتها قبل مرتكب الجريمة الجزائية و لهذا تستقل كل جريمة بدعوى تحمي الحق المعتدى عليه([86]).
من حيث المصدر، الجريمة التأديبية مصدرها في كل مسلك – فعلا كان او امتناع- يشكل اضرارا بالمصالح الأجتماعية للطائفة التي ينتمي اليها الشخص([87])، و المعيار الذي تحدد الاخطاء التأديبية وفقا له هو الاخلال بواجبات الوظيفة أو المهنة التي ينتمي إليها الفاعل، و غالبا ما يُكتفى بهذا المعيار حيث يتعذر حصر الاخطاء التايدبية([88]).و لانه من العسير تحديد الافعال االمكونة لها فأن الشمرع يترك عادة للهيئة المعتدى عليها تحديد ما اذا كان الفعل المنوسب الى احد اعضائيها يعتبر جريمة اداارية ام لا([89])، اما الجريمة الجزائية فهي تتكون من افعال يحددها المشرع سلفا و على سبيل الحصر و ذلك بايراد نموذج قانوني لكل منها.
و من حيث النتيجة : سبق و أن اشرنا الى أن الجريمة التاديبية اضيق نطاقا من الجريمة الجنائية، فالاولى لا تمس سوى المصالح القانونية القاصرة بطبيعة الحال على الطائفة او الهيئة التي ينتمي اليها المخالف. بينما تمس الثانية المصالح القانونية للمجتمع باسره على اختلاف طوائفه و من هذه الزاوية يصبح مجال تطبيق الجريمة الجنائية غير محدود([90]).
و من حيث الجزاء: تتسع اكثر شقة التباين بين كل من الجريمتين سواء من حيث الجهة التي لها سلطة توقيع الجزاء أو من حيث طبيعة هذا الاخير، ففيما يتعلق بالجريمة التأديبية يكون توقيع الجزاء موكولا الى هيئة نظامية ينتمي اليها مرتكب المخالفة، كما ان الجزاء التاديبي ذو طبيعة خاصة و اقصاه هو استبعاد المخالف من الطائفة او الهيئة و اذا كانت الجرائم التاديبية غير محدودة على سبيل الحصر فان المشرع يحرص في الغالب على تحديد العقوبات التاديبية على سبيل الحصر فلا يجوز للهيئة ان توقع عقوبة لم ينص عليها القانون، اما الجزاء الجنائي فان توقيعه لا يكون الا منقبل جهة قضائية رسمية ممثلة للدولة، و يتضح الفارق بكشل كبير جدا بخصوص طبيعة الجزاء الجنائي الذي قد يصل الى حد توقيع الاعدام في حق مقترف الجريمة ([91]).
غير أن الاختلاف بين الجرميتين لا يمنع من أن ينشأ عن الفعل الواحد جريمة تاديبية و جريمة جزائية في ذات الوقت، ومثال ذلك اختلاس الموظف امولا في عهدته ففي هذه الحالة ينشا عن الفعل دعويان، دعوى عمومية و دعوى تاديبية تستقل كل منهما بجهة اختصاصها و اجراءاتها ، كما ان اقامة الدعوى الجزائية على الجاني لا يمنع من محاكمته تاديبيا و لا يوقف – حسب الاصل- السير في الدعوى التاديبية المقامة عليه قبل رفع الدعوى الجزائية([92]). بل ان الحكم الصادر في الدعوى الجزائية ببراءة المتهم لا يحول دون توقيع الجزاءالتاديبي عليه كما هو الحال اذ قضي بالبراءة نتيجة استبعاد الدليل لبطلانه او البراءة لانعدام القصد الجنائي فان ذلك لا يحول دون اعتبار تلك الوقائع اخطاءا تاديبية، و مع ذلك فليس ثمة ما يحول ان ينطوي الفعل الواحد على جريمة دون الاخرى فقد تتوافر الجريمة الجزائية وحدها دون الجريمة التاديبية و من امثلة ذلك جرائم المرور، و أي جريمة اخرى ارتكبت من قبل شخص لا ينتمي الى طائفة معينة او هيئة معينة ([93]).
و من المصلحة دراء للتناقض بين الاحكام و مراعاة لما تحوزه المحاكم الجزائية من وسائل الكشف عن الحقيقة ان تكون للحكم الجنائي النهائي حجية الشيء المحكوم فيه امام القضاء الاداري على ان تقتصر هذه الحجية على ما اثبته من وقائع و كان اثباته ضروريا و يعني ذلك انه لا حجية للحكم الجنائي فيما قرره من تكييف، و الملحوظ في التشريع الحديث ميل القانون التاديبي الى الاقتراب من القانون الجنائي و لعل مرد ذلك الرغبة في ان تتوفر في المحاكمة التادبيبة الضمانات التي يقررها المشرع بالنسبة للمحاكمة الجزائية بما يناى بالاولى عن احتمالات التعسف ([94]).
الموضوع القانوني للجريمة:
لكل جريمة موضوع قانوني تشكل اعتداء عليه، و هذا الموضوع هو الحق أو المصلحة محل الحماية الجنائية، فالمشرع لا يجرم الافعال من اجل التجريم و انما باعتباره وسيلة لحماية مصلحة بعينها، و المصلحة المحمية تعتبر حجر الزاوية في دراسة الجريمة، ذلك ان صفة عدم المشروعية التي تلحق بالفعل الاجرامي انما تتحدد على اساس مدى ارتباط الفعل بالمصلحة المحمية من حيث اضراراه بها او تهديده اياها بالضرر من عدمه فاذا انتفت تلك العلاقة الضارة بين الفعل و المصلحة المحمية زالت عنه الصفة التجريمية بالرغم من التعارض الشكلي بينه و بين النص التجريمي([95]).
على انه ينبغي التفرقة بين الموضوع المادي للسلوك الاجرامي ما يسمى بالموضوع القانوني للجريمة، فالموضوع المادي للسلوك الاجرامي، كما اشرنا سلفا الى أنه المحل الذي يرد عليه مباشرة هذا السلوك، انسانا كان هذا المحل او حيوانا أو شيئا. اما الموضوع القانوني للجريمة فهو ذلك المال المادي او المعنوي الذي قصد صونه بتقرير العقاب على السلوك الماس به، لكون سلامة هذا المال او القيمة الاجتماعية شرطا جوهريا من شروط حق المجتمع في الكيان و البقاء([96]).أي ان الموضوع القانوني للجريمة هو المصلحة القانونية، اما موضوعها المادي فيتمثل في محل هذه المصلحة([97])
و ليس بلازم ان يتحد الموضوع المادي للسلوك الاجرامي مع الموضوع القانوني للجريمة، فهما ان اندمجا سويا في بعض الحالات، قد يفترقان و يتميز الواحد منهما عن الاخر في كثير من الحالات. ففي جريمة القتل مثلا، من الحالات التي يندمج و يتحد فيها معا الموضوع المادي للسلوك و الموضوع القانوني للجريمة، ذلك لان الموضوع المادي للسلوك فيها هو حياة المجني عليه، و هذه الحالة هي بعينها الموضوع القانوني للجريمة من حيث كون صيانتها من الشروط الجوهرية اللازمة لحق المجتمع في الكيان و البقاء و من حيث كون هذه الصيانة هي اساس التجريم اي اساس تقرير حق العقاب على فعل القتل([98]).
و انما كثيرا ما يختلف الموضوع المادي للسلوك عن الموضوع القانوني للجريمة. ففي جريمة التزوير، الموضوع المادي لسلوك فاعلها هو المحرر و اما الموضوع القانوني لها فهو ما يسميه الفقه الايطالي بالايمان بالمستندات اي ما جبل عليه الناس من قابلية التأثر في تكوين عقيدتهم بالوثائق و المستندات. فالتغرير بهذه القابلية معناه في نظر المشرع الاخلال بشرط جوهري يتوقف عليه حق المجتمع في الكيان و البقاء، و هو الامتناع عن الغش([99]).
و متى استقر وجه التفرقة بين الموضوع المادي للسلوك الاجرامي و بين الموضوع القانوني للجريمة، يتبين بجلاء كي فان الاول يوجد في النص ذاته و في الوصف الذي حدد به النص السلوك المحظور، في ان الثاني لا يوجد في النص و انما وراء النص اي يمثل الحكمة من النص نفسه ([100]).
الجاني او مرتكب الجريمة:
الجاني هو الشخص الذي يحقق بسلوكه الجريمة و لذالك فان كل جريمة لا بد ان يرتكبها انسان مهما كانت الوسائل التي استخدمها في ارتكابها و كقاعدة عامة لا يتطلب القانون صفة معينة في الجاني او مرتكب الجريمة فغالبية قواعد التجريم تخاطب جميع الافراد الخاضعين لسطان النص و بالتالي تتحقق الجريمة من أي فرد مخاطبا بالنص و يكتسب بذلك صفة الجاني([101]).
و مع التسليم بذلك فان تطور الفكر لجنائي اصبح الشخص المعنوي ايضا يعامل تماما مثل ما يعامل الشخص الطبيعي اذ بامكانه ان يسال جزائيا عن اية جريمة تامة او تم الشروع فيها كما يمكنه ان يكون فاعلا او شريكا غير ان تطبيق هذا الحكم يتطلب تحديد الاشخاص محل المساءلة الجزائية ثم السلوك محل المساءلة و اخيرا الجرائم التي تشملها المساءلة([102]) و هو مسلك المشرع الجزائري([103])
و مع ذلك فقد يتطلب المشرع في بعض الجرائم تحقق صفة معينة في مرتكبها، و تدخل تلك الصفة كعنصر من عناصر التكوين القانوني لها، و في تلك الحالات تنتفي الجريمة اذا انتفت الصفة المتطلبة في الجاني و هذا النوع من الجرائم يطلق عليه الجرائم الخاصة([104]) و مثالها الجرائم المنصوص عليها في القانون المتعلق بالقواية من الفساد و مكافحته، كرجية الرشوة و الختلاس و غيرها حيث يتطلب المشرع في الجاني صفة الموظف و ذلك جريمة الزنا حيث يتلطب في الجاني صفة الزوجية (م 339 ق ع ).
المجني عليه في الجريمة:
في كل جريمة يوجد مجني عليه (ضحية) و هو الشخص الطبيعي او المعنوي الذي لحقه اذى الجريمة، غير ان الجريمة قد تضر باخرين خلاف المجني عليه، الا انه ليس كل مضرور من الجريمة يعتبر مجنيا عليه، و من هنا تعين التفرقة بين المضرور و المجني عليه، و يلاحظ ان هذه التفرقة لها أهميتها التي تنعكس على كثير من جوانب قانون العقوبات و الاجراءات الجزائية، ذلك ان المشرع يعطي للمجني عليه حقوقا لا تثبت للمضرور، كما قد يمنحه مكنات اخرى تؤثر على قيام الجريمة و على مباشرة الدعوى الجنائية المتعلقة بها. و مثال ذلك اثر رضا المجني عليه في اباحة الجريمة أو في نفي بعض عناصرها كما قد يقيد حرية النيابة العامة في مباشرة تحريك الدعوى العمومية([105]).
و من ناحية اخرى يعطي القانون للمضرور من الجريمة الحق في الادعاء المدني امام القضاء الجنائي و رفع الدعوى مباشرة دون التقيد بثوت صفة المجني عليه، بل ان هذا الاخير لا تثبت له حقوق الادعاء المدني اذا لم تثبت له صفة المضرور، أي اذا لم يلحقه ضرر مادي او ادبي يمكن التعويض عنه من الجريمة و مثال ذلك المجني عليه في جريمة خيانة الامانة (م 376 ق ع) فهو الشخص المودع و ليس مالك الشيء و الذي قد يكون مختلفا عن المودع، فالمالك في هذا الفرض يكون هو المضرور من الجريمة بينما المجني عليه أي المودع قد لا يضار ضررا يسستوجب التعويض من الجاني. ذلك أن المشرع في هذه الجريمة لم يقصد حماية الملكية، و انما قصد حماية الثقة في المعاملات التي تفرضها عقود الامانة ([106]).
و هنا يثار التساؤل حول المعيار الذي يهتدى للتفرقة بين الصفتين، صفة المرور و صفة المجني عليه؟
الضابط في تفريد صفة المجني عليه هو "المصلحة المحمية" جنائيا، فاذا كان الشارع يجرم افعالا معينة لاضرارها بالمصالح المراد حمياتها جنائيا، فمن المنطقي و الطبيعي ان يتحدد المجني عليه في الجريمة باعتباره صاحب الحق او المصلحة محل تلك الحماية، و لما كان الفعل الاجرامي يمكن ان يحدث ضررا باكثر من حق فان العبرة في تحديد المجني عليه هي بالمصلحة الماخوذة بعين الاعتبار من النص التجريمي، و تثبت لغيره من اصحاب المصالح الاخرى التي اضيرت "صفة المضرور"([107]).
و من هنا فان التفرقة بين المصلحة المحمية بوصفها الموضوع القانوني للجريمة و بين الموضوع المادي للسلوك لها اهمية في التمييز بين المجني عليه في الجريمة و بين المضرور. فاذا اتحد صاحب المصلحة المحمية و من تعلق به الموضوع المادي للسلوك تثبت صفة المجني عليه و المضرور لذات الشخص. اما اذا كانت المصلحة المحمية تتعلق بشخص مختلف عمن تعلق به الموضوع المادي للسلوك ثبتت صفة المجني عليه للاولى و صفة المضرور للثاني كما راينا في المثال الخاص بجريمة خيانة الامانة حينا يكون المودع ليس هو مالك الشي موضوع التبديد([108]).
المحاضرة الخامسة
البنيان القانوني للجريمة
نقصد بالبنيان القانوني للجريمة ما يستلزمه نص التجريم لقيام الجريمة قانونا([109]).، يتشكل البنيان القانوني للجريمة من الصفة غير المشروعة للفعل و الذي يتححد بالنص القانوني الذي يعد مصدر التجريم للفعل، و الركن المادي و الركن المعنوني، و هذا ما يعرف الاركان العامة الا انه لكل جريمة على حدة اركان خاصة بها تميزها عن عداها من الجرائم ، فضلا على ان البناء القانوني للجريمة قد يتاثر عن طريق ظروف تلحق بها فتؤثر على وصفها القانوني:
مقــــــــومات الجريمــــــــــة و تسميتـــــــــــها:
تتكون الجريمة من "أجزاء" أو "مقومات" لا توجد بدونها. و تتعد تسمات الفقهاء لهذه الاجزاء او المقومات تعددا ملحوظا ولا سيما في الفقه الايطالي، فهناك من يسميها – في اطاليا- "العناصر المكونة لجريمة" و منهم من يسميها "الاوجه التي لا بد من توافرها حتى توجد الجريمة" و منهم منة يسمها "متطلبات الجريمة أو مقتضايتها او مستلزماتها"، وهناك في المانيا من يسميها "الجوانب المفترض وجودها لامكانية العقاب" الى جانب تسميتها الغالبة بالعناصر([110]).
و تسود تسمية هذه المقومات في فرنسا باسم "عناصر" الجريمة éléments" " و ان كان هناك من يشترط في الفعل لكي يصبح معقاب عليه من الناحية الاجتماعية ثلاثة "شروط" " conditions"ثم يسمي كلا من هذه الشروط "عنصرا" اما الفقه المصري فيستخدم للتعبير عن اجزاء الجريمة او مقوماتها مصطلح "اركان الجريمة" و هذا هو الغالب، كما قد يستخدم مصطلح "عناصر الجريمة"([111])، اما بالنسبة الى المشرع الجزائري فقد اكتفى بمعاجلة مقومات الجريمة دون تسميتها.
و هنالك من الفقهاء من يرى ان الخلاف حول تسمية اجزاء الجريمة أو مقوماتها لا يعدو ان يكون خلافا شكليا ينحصر في المفاظلة بين عديد التسميات هي في جوهرها مترادفة و لا فرق بينها، و ليس ذلك صحيحا فالخلاف بين الجانب الغالب من هذه التسميات يتجاوز الشكل الى الجوهر و ذلك لان كل تسمية تكشف عن مدلول و مدى يختلفات عن غيرهما من التسميات([112]).
و خير تسمية لاجزاء الجريمة او مقوماتها في مجال اللغة العربية ان تستخدم المصطلحات الاتية: تتحلل الجريمة الى "اركان" و يتحلل الركن الى "عناصر" و يتحلل العنصر الى "شروط" و بهذا يكون لكل مصطلح من المصطلحات الثلاث (الركن، و العنصر، و الشرط) مجاله الخاص به ما دامت اللغة العربية من السعة بحيث تقدم للفقه هذا التدرح في المصطلحات من التعميم الى التخصيص([113]).
فالجريمة – مثلا- تتكون من ركنين مادي و معنوي فضلا عن الركن الشرعي، و الركن المادي يتكون من عناصر هي: الفعل( النشاط او ااسلوك)، و النتجية المعاقب عليها، و رابطة السبيبة المادية التي تربط السلوك بالنتيجة و يستلزم المشرع لكل عنصر شروطا تختلف من عنصر لاخر. و هو ما يحملها الى التطرق لمعاجلة اركان الجريمة و شروطها المفترضة.
تعـــــــــــــــــــــداد الاركان العامة للجريمــــــــة:
الجريمة ذات طبيعة مختلطة، و لها على الاقل جانبان، جانب مادي يتمثل فيما يصدر عن مرتكبها من أفعال و ما يترتب عليها من أثار، و جانب نفسي يتمثل فيما يدور في نفس مرتكبها، أي ما يتوفير لديه من علم و ما يصدر عنه من ارادة. و يعني ذلك أن الجريمة لا يمكن أن تقوم على ركن واحد و يرجع هذا التعدد الى أن للانسان و هو صانع الجريمة كيانا ماديا و كيانا نفسيا و الجريمة تدور فيهما معا، و يبدألو وهلة ان الجريمة تقوم على ركنين: ركن مادي و ركن نفسي، و لكن التحليل الدقيق لفكرتها يثبت قيامها على اركان ثلاثة([114]) و ان كان الخلاف بين الفقهاء قائم بهذا الشان بيحث تترواح اركان الجريمة.
1- الركن المــــــــــــادي للجريمة:
الركن المادي للجريمة هو مظهرها الخارجي أو كيانها المادي، او هي الماديات المحسوسة في العالم الخارجي كما حددها نص التجريم، فكل جريمة لا بد لها من ماديات تتجسد فيها الارادة الاجرامية لمرتكبها، لذلك فالقاعدة في القانون أنه "لا جريمة بغير ركن مادي" ([115])، و يتمثل الركن المادي فيما يصدر عن الفاعل من نشاط يبرز في العالم الخارجي، و يقوم الركن المادي على عناصر ثلاثة هي الفعل( السلوك الاجرامي) و النتيجة، و علاقة السببية بين الفعل و النتيجة. فجريمة القتل مثلا تقوم على على سلوك يتمثل في اطلاق الرصاص او الطعن بالسكين و نتيجة تتمثل في ازهاق روح المجني عليه، و علاقة سبيبة تربط السلوك بالنتيجة ربط السبب بالمسبب([116]).
و بدون الركن المادي تنفي حكمة التجريم و علته و هي معاقبة كل من يعتدي على القيم الجوهرية للمجتمع او المصالح الاساسية لافراده، فهو يشكل حجر الزاوية في البناء القانوني للجريمة([117]) على نحو جعل بعض الفقهاء الاوائل يرى أن بنيان الجرمية لا يتضمن سوى العنصر الموضوعي أي ماديات الجريمة، فما يدخل في تكوين الجريمة ليس سوى الفعل، فالجريمة لا تعدو أن تكون محض انتهاك مادي لقانون العقوبات أو حالة واقعية يعقاب عليها ذلك القانون أو كل تغييير او غياب تغيير في العالم الخارجي مصدر حركة عضوية أو نخلف تلك الحركة([118]).
2- الركن المعنوي للجريمة:
يضم الركن المعنوي العناصر النفسية للجريمة، و يعني ذلك أن الجريمة ليست كيانا ماديا خالصا قوامه الفعل و اثاره و لكنها كذلك كيان نفسي و يمثل الركن المعنوي الاصول النفسية لماديات الجريمة و السيطرة النفسية عليها، ذلك ان هذه الماديات لا تعني الشارع الا اذ صدرت عن انسان يُسأل عنها و يتحمل العقاب المقرر لها و اشتراط صدورها عن انسان أي اشتراط نسبتها اليه في كل اجزائها يقتضي ان تكون لها أصول نفسية في نفسيته و ان تكون له عليها سيطرة ممتدة الى كل أجزائها([119]).
و من ثم يمكننا القول ان المسؤولية الجزائية للفاعل ترتكز على اتيان سلوك يعتبر سببا في تحقيق النتيجة المحظروة قانونا، و توافر صلة نفسية بين الفاعل و النتجية بحيث يمكن نعت السلوك الواقع من هذا الفاعل بانه سلوك خاطئ أو مؤثم، فارتكاب ماديات الجريمة لا يكفي بذاته اذن لمساءلة فاعلها جزائيا و لم يكن الامر دائما كذلك في التشريعات القديمة التي سادت في عصور بعيدة، اذا كانت المسؤولية الجزائية مسؤولية مادية أو موضوعية تقوم بمجرد اقتراف السلوك المادي دون حاجة الى بحث مدى توافر الخطأ لدى مرتكب هذا السلوك([120]).
و قد يتخذ الركن المعنوي صورة القصد و عندها توصف الجريمة بانها جريمة قصدية، كما قد يتخذ الركن المعنوي صورة الخطا و عندها توصف الجريمة بكونها غير مقصودة.
3- الركن الشرعي للجريمة:
هو الصفة غير المشروعة للفعل و يكتسبها اذا توافر له امران: خضوعه لنص التجريم يقرر فيه الاقنون عقابا لمن يرتكبه، و عدم خضوعه لسبب من اسباب الاباحة، اذ أن انتفاء اسباب الاباحة شرط ليظل الفعل محتفظا بالصفة غير المشروعة التي اكسبها له نص التجريم([121]).
الاركان الخاصة للجريمــــــــة:
خلصنا الى ان الجريمة – ايا كانت- ثلالثة اركان اولهما مادي و ثانيهما معنوي و قبل كل هذا و ذاك نص قانوني يحصر الفعل او الامتناع تحت طائلة العقاب، و يتكون الركن المادي من ثلالثة عنصار و هي النشاط و النتيجة الجرمية و رابطة السببية المادية اللتي تربط بينهما بينما يتكون الركن المعنوي من عنصرين هما العلم بمقومات الجريمة و اردة النتيجة و السؤال الان هو الاتي: هل لكل جريمة ايا كالنت ارمان و عنصار خاصة تستاثر بها عما عداها و تميزها عن غيرها ام ان هذين الركيني يستوعبان سار الاركان و العنصار الخاصة؟
اذا كانت الاركان العامة للجريمة هي مجموعة العناضر التي يلزم ان تتوافر في كل جريمة ايا ما كانت طبيعتها بحيث يترتب على انتفاء احداها انتفاء قيام الجريمة اصلا،و مع ذلك ينبغي ان يلاحظ ان الجريمة قد تحتاج لكي تقوم لها قائمة قانونا ان يتوفر لها الى جانب الاركان السابقة عدة عناصر اخرى يتطلها نموذجها القانوني هذه العنارص هي التي تسمى بخصوية الجرائم و التي يقوم على دراستها قانون العقوبات في قسمه الخاص و من امثلة هذه العناصر تطلب توافر صفة الموظف العام لقيام جريمة الرشوة او توافر عقد من عقود الامانة لقيام جريمة خيانة الامانة و توفر ركن العلانية لقيام جريمة الذقف و صفة الزوجية في جريمة الزنا و هذه العناصر تسمى بالاركان المفترضة أي الاركان التي يفترض توافرها وقت مباشرة الفاعل لنشاطه حتى يوصف نشاطه بعدم المشروعية و تقوم به الجريمة([122]).
بتحليل كل جريمة على حدة ينمككنا ان نرد جانبا كبيرا من الاركان و العناصر الخاصة الى احد الركنين العامين المادي و المعنوي ففي القتل مثلا يشترط في المجني عليه ان يكون انساسا حيا و مثل هذا العنصر يمثل المحل المادي الذي ينصب عليه السلوك الاجرامي و بهذا يمكننا ارجاعه الى الركن المادي و في جريمة اسرقة يشترط لقيامها ان يكون هناك مال منقول مملوك للغير فضلا على ركني الاختلاس و القصد الجنائي و الركن الظاول لا يعدو ان يكون تحديد للمحل المادي لجرمية السرقة أي المحل الذي ينصب عليه نشاط الجاني لهذا يمكن رده الى الركن المادي([123]).
الاركان العامة للجريمة يجب ان تتوافر لكل جريمة، فان انتفى احدها فلا جريمة على الاطلاق، و لكن لكل جريمة على حدة اركانا خاصة تميزها عما عداها من الجرائم و على سبيل المثال، فان الاركان الخاصة للقتل العمد هي كون المجني عليه حيا، و فعل الاعتداء على الحاية الذي ترتب عليه الموت و القصد الجنائي الذي يتطلب نية ازهاق الروح، و اركان السرقة هي: كون المال منقولا و مملوكا للغير، و فعلا الاختلاس و القصد الجنائي الذي يتطلب نية التملك م([124]).
الاركان العامة و العناصر المفترضة:
بالاظافة الى الاركان العامة للجريمة فهناك ما يفترض قيامه من عناصر تسمى بالعناصر المفترضة، الاركان المفترضة، الشروط المفترضة في الجريمة، الشروط الاولية للجريمة. و يجري تعريف الشرط المفترض بانه عنصر او ظرف ايجابي او سلبي يسبق بالضرورة وجود الجريمة او الواقعة، أو بانه عنصر أو مركز يسبق في الوجود منطقيا و قانونيا قيام الجريمة و يعتبر بمثابة الوسط الضروري لتوافر االسلوك غير المجرم([125]).
الجانب المفترض للجريمة أذن هو مركز أو عنضر قانوني او فعلي أو واقعة قانونية او مادية ينبغي قيامها وقت ارتكاب الجريمة، و يترتب على تخلفها الا توجد الجريمة أي تدخل في التكوين القانوني للجريمة، فاشرط السابق على الجريمة Condittion préalable يمثل في "حالة واقعية او قانونية يحميها القانون و يوجب توافرها قبل وقوع الجريمة"([126]).
و قد يتمثل الجانب المفترض في مركز قانوني كما هو الشان في قيام "دعوى" أمام المحكمة بالنسبة لجريمة الاخلال بمقام القاضي أو هيبته و سلطته، و بالنسبة لجريمة شهادة الزور. و قد يتمثل في "تصرف قانوني" كتوافر احد عقود الامانة لامكانية قيام جريمة خيانة الامانة، و قد يتمثل في "واقعة قانونية" كما هو الشان بالنسبة لجريمة حيازة اشياء متحصلة من جريمة، و يتمثل في "واقعة مادية" كما هو الشأن بالنسبة لكون المجني عليها حامل، و قد يتمثل الجانب المفترض في "صفة قانونية" يشترط توافرها في مرتكب احدى الجرائم ذات الفاعل الموصوف كجرمة الرشوة حيث يشترط في المرتشي أن يكون موظفا عموميا([127]).
و يرتب هذا الاتجاه الفقهي على ذلك ان الحديث عن اركان الجريمة بصفة عامة أو اركان جريمة معينة بصفة خاصة يفترض سبق توافر هذه المقومات على نشاط الجاني الامر الذي يفسر ظهور فكرة "الافتراض" في كل التسميات التي يخلعها الفقه عليها([128]).
و يفرق الفقه بينهما على اعتبار ان اركان الجريمة هي العناصر الاساسية اللازمة للوجود القانوني لها، أما مفتضرات الجريمة فيقصد بها "الظروف" و "العناصر" التي يلزم توافرها في مرحلة سابقة او معاصرة للواقعة المادية المرتكبة حتى تتوافر لتلك الاخيرة مقومات الجريمة([129]) .
و السائد بين الفقهاء الذين ياخذون بفكرة الشروط المفترضة في الجريمة و اولائك الذين تناولها دون ان يسلموا بذاتيتها ان هذه الشروط تدخل في البنيان القانوني للجريمة و تعد من عناضر النموذج القانوني الذي تتمضنه قاعدة التجريم، و لكنهم يختلفون بعد ذلك في تحديد موضع هذه الشروط داخل النموذج القانوني و يمكن ان نميز في هذا الشان بين اتجاهين، اتجه يذهب الى تبعية الشروط المفترضة الى الواقعة الجرمية بمفهوما الاكثر اتساعا(الجريمة) و الاتجاه الثاني يذهب الى استقلال هذه الشروط عن اركان الجريمة([130]).
التمييز بين الركن و الشرط المفترض:
البداية الصحيحة لتحديد ماهية الشرط المفترض و تعريفه هي معرفة ما الذي يقابل الشرط المفترض في القاعدة الجنائية الامر الذي يوجب علينا تحليل القاعدة الجنائية، التي تتحلل الى عنصرين:
اولا – الفــــــــــــرض: الذي يشمل شروط انطباق القاعدة اي تحديد السلوك الذي يشكل عدوانا على مصلحة قانونية يسعى المشرع بسن القاعدة الى حمايتها.
ثانيا- الاثر القانوني : الذي يترتب على تحقق الفرض و هو في القاعدة الجنائية جزاء جنائي يؤكد به المشرع الحظر او الامر الذي يتضمنه الفرض.
و تبدو قيمة هذا التحليل اذا ما قبلنا ان تكون المصلحة القانونية التي تحميها القاعدة الجنائية لصيقة بمركز قانوني يعد السلوك (جوهر الركن المادي في الجريمة) عدوانا عليه، اذا يترتب على ذلك ان يكون المركز القانوني شرطا مفترضا لوقوع الجريمة، و بيان ذلك ان "الفرض" في القاعدة الجنائية يضم امرين متجاورين ينبغي التمييز بينهما: "السلوك" و "المصلحة القانونية المحمية"، أو بعبارة اخرى اركان الجريمة و شروطها المفترضة، و تكون الشروط المفترضة بذلك بمثابة الشروط اللازم توفرها لقيام المركز القانوني الذي يحميه المشرع بالقاعدة الجنائية، أي الشروط التي يفترض توافرها سلفا حتى يترتب على وقوع الاركان قيام الجريمة و انطباق القاعدة الجنائية([131]).
و الخلاصة اذن ان الشرط المفترض يمكن تعريفه بانه مركز قانوني تحميه القاعدة الجنائية، اما الاركان فهي العدوان على هذا المركز القانوني بفعل او امتناع (و هذا هو الركن المادي) ارادي( و هذا هو الركن المعنوي). و من هنا تتكشف نقطة الالتقاء بين الشرط المفترض و الاركان حين ترتكب الجريمة، بحيث تعد نتيجة الجريمة عداونا على الشرط المفترض أي على المركز القانوني الذي تحميه القاعدة الجنائية، و يتسق هذا مع القول بان الشرط المفترض لا يمثل في ذاته صفة غير مشروعة بل انه محمي بالقاعدة الجنائية([132]).
يلتئم تعريف الشرط المفترض بانه مركز قانوني تحميه القاعدة الجنائية على نحو افضل مع بيان خصائص الشروط المفترضة التي سعت الجهود الفقهية من اجل تحديدها، كما انه لا يصطدم مع ما اورده الفقه من تطبيقات لهذه الفكرة.
- فمن ناحية نجد ان اعبتار الشرط المفترض مركزا قانونيا تحضر القاعدة الجنائية المساس به يودي الى اعتباره شرطا ضروريا لوجود الجريمة، كما يستتبع ان يكون سابقا على تحقق الاركان التي تقع عدوانا عليه و اخيرا يستوجب ان يكون اجنبيا عن نشاط الجاني او سلوكه الذي تتحق به الاركان([133]).
- و من ناحية اخرى، فان التعريف المتقدم لا يصصطدم مع ما اورده الفقه من تطبيقات فكرة الشروط المفترضة. كل ما في الامر ان هذه التطبيقات عولت على المصادر المنشئة للمركز القانوني دون ان تعول على المركز القانوني ذاته. و بيان ذلك انه اذا تعلق الامر بمركز قانوني و كان مصدر هذا المركز عمل قانوني او واقعة قانونية وجب فصل المركز القانوني عن العمل القانوني او الواقعة القانونية او بعبارة اخرى تجب التفرقة بين العمل القانوني او الواقعة القانونية و بين ما يترتب على أي منهما من اثار تتمثل في نشاة المركز القانوني الذي تتولى القاعدة الجمنائية حمياته و على سبيل المثال يلزم في جرمية خيانة الامانة التمييز بين عقد الامانة باعتباره تصرفا قانونيا و بين المركز القانوني الناشئ عن هذا العقد بما يتمضنه من حقوق و التزامات ابرزها الالتزام برد الشيء الذي جرى تسليمه بناء على العقد (م 376 ق ع)، ففي هذا المركز القانوني يكمن الشرط المفترض الذي لا يعد العقد (التصرف القانوني) بالنسبة له الا مصدرا([134]).
و ذات الشيء يقال بالنسبة لجريمة الامتناع عن تسليم طفل ممن له الحق في الحضانة، حيث تجب التفرقة بين الحكم القضائي المقرر للحق (باعتباره اجراء قانونيا) و بين ذات المركز القانوني الناشئ عن هذا الحكم الذي يعطي شخصا الحق في حضانة الطفل و يوجب على شخص اخر تسليمه ففي هذا المركز القانوني يكمن الشرط الفترض و ما الحكم الا مصدرا له([135]).
و بالمثل ايضا في الجرائم التي تفترض واقعة قانونية لقيامها، كما هو الحال في جريمة التعدي على ملكية الغير، حيث تفترض واقعة قانونية مدنية تتمثل في وضع اليد بصورة قانونية على المسكن فالواقعة هنا تعد مصدرا لمركز قانوني ممثل في الملكية في مفهومها القانوني، و في هذا المركز القانوني يكمن الشرط المفترض الذي تعد الوقاعة القانونية مصدرا له([136]).
اما الجرائم التي تفترض صفة في فاعلها او صفة في المجني عليه فيها، او في محلها فهي بدورها تفترض مركزا قانونيا لوقوعها و ما هذه الصفات الا صفات تتعلق بشاغل المركز القانوني او باطرافه. فصفة الموظف العام تتعلق بشغل الوظيفة العامة التي هي في حقيقتها مركزا قانونيا و صفة القاضي تتعلق بمن يتولى منصب القضاء و صفة الزوج تتعلق باطراف علاقة لزوجية و هي في ذاتها مركزا قانونيا. و ذات الشيء يقال بالنسبة للصفة التي تلحق بمحل الجريمة كصفة ملكية الشيء للغير في جريمة السرقة م 350 قع فهي في حقيقتها اشارة للمركز القانوني للملكية التي يشغله مالك هذا المنقول([137])..
و على ذلك اذا استخدم تعبير التصرف القانوني او الاجراء القانوني او الواقعة القانونية ينبغي ان يحمل ذلك على المركز القانوني الناشئ عنها، و اذا استخدم تعبير الصفة القانونية ينبغي ان يحمل على المركز القانوني الذي يشغله صاحب هذه الصفة. اما الخلط بين مصدر المركز القانوني و المركز القانوني ذاته باعتباره اثرا ناشئا عن المصدر فيفسره – دون ان يبرره- ان المركز القانوني لا يتصور وجوده بدون هذا المصدر([138]).
و ما نخلص اليه من هذا التحليل ان الشرط المفترض باعتباره مركزا قانونيا تحميه القاعدة الجنائية يستقل و يتميز عن اركان الجريمة التي تعد في نهائية الامر انتهاكا لهذا الشرط و عدوانا عليه.
اهمية التفرقة بين الشرط المفترض و الاركان:
للتفرقة بين الشرط المفترض و اركان الجريمة اهمية تظهر من عدة وجوه اهمها:
ما يتعلق بالاختصاص و الاثبات فقد يكون العنصر المفترض "مسالة اولية" تخرج عن اختصاص القاضي الجنائي و تدخل في اختصاص جهة اخرى كما هو الحال بالنسبة لقيام عنصر الزوجية التي تعد عنصرا في جريمة الزنا([139]).
و من حيث تحديد الاختصاص المكاني فان الاركان هي التي تدخل في الحسبان دون الشروط المفترضة فمكان وقوع جريمة خيانة الامانة يتحدد بالمكان الذي وقع فيه تبديد المال المنقول المسلم و ليس بالمكان الذي ابرم فيه عقد الائتمان([140]).
و من حيث كيفية استنتاج البدء في التنفيذ كعنصر في جريمة الشروع ، فيكون البدء في التنفيذ مقتصر على الركم المادي و ليس على الشرط المفترض([141]).
و من ناحية اخرلى فان اركان الجريمة يجري اثباتها بكافة الطرق عملا بمبدا الاثبات الحر في المواد الجزائية او مبدا حرية الاقتناع القاضي الجنائي اما الشروط المفترضة فيجري اثباتها وفقا لوسائل الاثبات المقررة في في القانون الذي تنتمي اليه، فقد الائتمان يجري اثباته وفقا لاحكام القانون المدني و صفة الموظف وفقا لاحكام القانون الاداري([142]).
شرط العقاب:
Condition de punibilité
هو ذلك العنصر الذي يرى بعض الفقهاء ان القانون يستلزم توافره في بعض الجرائم لا لكي تقوم الجريمة قانونا، و إنما لكي يوقع العقاب المقرر لها([143]) فهي اذن شروط موضوعية لامكانية العقاب و هي بذلك مستقلة عن ارادة الجاني يعلق المشرع على وجودها استحقاق العقاب بعد ان تكون مقوات الجريمة قد اكتملت([144]) و مؤدى هذا القول لانها لا تعبتر من اركان الجريمة و انما هي خارجة عن كيانها اذ تستكمل الجريمة بدونه اركانها و تغدو فكرة قانونية كاملة و كل ما لشرط العقاب من قيمة هو ان توقع العقوبة من اجل جريمة توافرت من قبل كل اركانها ([145]).
و يظرب الفقع كمثل عن شروط العقاب التنبيه بالدفع على المحكوم عليه بدفع نفقة لزوجه او احد اقاربه حتى يعاقب على جريمة الامتناع عن دفع النفقة و ضبط الجريمة و الفاعل في حالة تلبس حين يكون العقاب معلقا على هذا الضبط كما هو الشان في جريمة تحريض المارة على الفسق بالقول و الاشارة .
العناصر العرضية
او الثانوية للجريمة (أي : الظروف)
ركن الجريمة هو ما لا تقوم الجريمة الا به، عاما كان هذا الركن ام خاصا على نحو ما سبق و ان خلصنا اليه، و ينشطر الركن الى عناصر لا بد من توافرها لكي يوجد، على ان هناك فئة من العناصر لا تدخل في تكوين الجريمة اذا اضيفت اليها و لكن يقتصر اثرها على تعديل الاثار الجانبية المترتبة على الجريمة و لا سيما تعديل العقوبة المقررة للجريمة و يطلق الفقه الايطالي على مثل هذه العناصر التي لا يتوقف وجود الجريمة عليها تسمية " العناصر العرضية او الثانوية " و يطلق عليها الفقه العربي تسمية "الظروف"([146]).
و مؤدى هذا القول أن ظروف الجريمة لا تدخل في تشكيل البنيان القانوني للجريمة بل خارجة عنها، و نتيجة ذلك انه لا يترتب على تخلفها تخلف تحقق الجريمة.
و الظرف معناه اللغوي "الوعاء" او هو كل ما يستقر فيه غيره كاليوم و الحين و فوق و تحت و منه ظرف الزمان و المكان، و من الناحية القانونية فالظرف بدوره عنصر يحيط بالجريمة بعد قيامها فيحتويها. لهذا فهو واقعة تبعية تظاف الى الجريمة بعد اكتمال مقوماتها، فتصيب بالتعديل او بالاستبعاد اهم اثر من الاثار المترتبة على وجود الجريمة و هو العقوبة. و لهذا فالظرف لا يعتبر انمودحا قانونيا مستقلا عن الجريمة كما يرى البعض([147]).
و من خلال هذا التعريف يتضح ان للظرف خصيصتني:
- اولاهما انه يلحق بالجريمة بعد اكتمال مقوماتها بحيث يترتب على تخلفه اي تأثير في وجود الجريمة.
- و ثانيهما ان مفعوله يقصتر على العقوبة باعتبارها اهم اثر من الاثار المتربتة على الجريمة فيعدله او يخففه او يشدده او يستبعده و بنما عليه لا يعتبر ظرفا في الجريمة حكم القاضي بالحد الاقصى للعقوبة المقررة للجريمة لانه بهذا لم بتجاوز نطاق العقوبة([148]).
و هناك من الظرفو ما يغير من وصف الجريمة و ما يغير من مقدار العقوبة.
الظروف التي تغير من وصف الجريمة:
الظروف التي تغير من وصف الجريمة هي عناصر تدخل في تكوينها القانوني كي تحدد وصفها القانوني بين مجموعة من الجرائم احمل اسما واحداو يقسم المشرع الجرائم التي تحمل اسما واحدا و تشترك في الاركان الخاصة الى افراد يحمل كل منها وصفا قانونيا محددا و يعبر عن العنصر الذي الصوف القانوني للجريمة" الظرف الذي يغير من وصفها"([149])..
و على ذلك فهذا النوع من الظروف عنصر في الجريمة، و شانه في ذلك شان الركن الخاصمع اختلاف اساسي ذلك أن انتفاء الركن قد تنتفي معه الجريمة لتصبح فعلا مباحا، كانتفاء القصد الجنائي في جريمة السرقة و قد تتحول الى جريمة تحمل اسما قانونيا اخر كما لو لم يقع فعلا الاختلاس و انما ارتكب الجاني فعل تدليس فعندئذ لا يصدق على الجريمة انها سرقة لانتفاء ركنها المادي و انما يصدق عليها اسم جريمة النصب اما الظرف فان انتفاءه لا ينفي الجريمة و انما تظل قائمة مع خضوعها لوصف قانوني اخر، فانتفاء صفة الخادم في السرقة لا يحول دون اعبترها سرقة بسيطة([150]).
و اذا غير الظرف من وصف الجريمة كان لهذا التغيير مظهر يدل عليه، و هو خضوع الجريمة مقترنة بالظرف لنص قانوني مختلف عن النص الذي كانت تخضع له و هي متجدرة من هذا الظرف، و لسنا نعني بالنص القانوني مادة ذات رقم معين من مواد التشريع الجنائي و انما نعني به اي عبارة تقرر حكما قانونيا خاصا بالجريمة في صورتها الجديدة و "العبارة" مجموعة من الالفاظ قليلة او كثيرة لذلك فلا يعدو النص غير أن يكون فقة من فقرات مادة او مجرد جملة في احدى الفقرات([151]).
الظروف التي تؤثر في العقوبة:
هذا النوع من الظروف يقتصر تاثيره على العقوبة مبقيا للجريمة على وصفها و مبقيا على خضوعها لذات النص القانوني، فهي ظروف لا شان لها بعنصار الجريمة،و انما تتصل بمدى جدارة الجاني بالعقاب([152]) و من امثلة الظروف المشددة العود و سبق الاصرار في جريمة القتل و من الظروف المخففة صغر السن و من امثلة الظروف المعفية من العقاب زواج الخاطف ممن خطفها زواجا شرعيا و يطلق على هذه الظروف موانع العقاب، و فيما يتعلق بالظروف المشددة قد يكون التشديد وجوبيا كسبق الاصرار في القتل و قد يكون جوازيا كالعود في ارتكاب الجريمة، كذلك نجد الظروف المخففة نوعاين : نوع وجوبي يطلق عليه الاعذار القانونية و نوع جوازي يسمى الظروف القضائية([153]).
تقسيمات الظروف:
يمكن تقسيم الظروف الى عدة اقسام وفقا للزاوية التي ينظر منها اليها:
تقسيم الظروف من حيث مصدرها: قد تكون ظروفا قانونية يحددها المشرع و قد تكون ظروفا قضائية يستخلها القاضي من وقائع الدعوى، تبعا لاجتهاده الشخصي
تقسيم الظروف من حيث طبيعتها: تنقسم الظروف من هذه الوجهة الى ظروف مادية او موضوعية او عينية و ظروف شخصية و الظروف المادية و هي تلك الظروف التي تتعلق او تقترن بالركن الموضوعي المكون للجريمة و تؤدي الى التاثير في جسامة الجريمة و العقوبة كما يسئال عنها جميع المسهمين في الجريمة وفقا للراي الغالب – فاعلين كانوا ام شركاء- عن هذا النوع من الظروف متى اقترنت بالجريمة سواء علموا بهذه الرظوف او لم يعلموا بها و من قبلي الظروف المادية : طبيعة النشاط، نوعه، الوسيلة التي ارتكب ها، محله و مكان و مكاتن ارتكاب الجريمة او اي وصف اخر يلحق بالنشاط. جسامة الضرر او الخطر المترتب على الجريمة، و بوجه عام كل ظرف يتعلق بالنشاط او النتجية او رابطة السبيبة يعتبر من الظروف المادية([154]). كظرف استعمال السلح في الضرب، أو وقوع الجريمة في مكان معين كالسرقة من محل مسكون او زمان معين ارتكاب السرقة ليلا أو افضاء الفعل الى نتجية معينة ما كافضاء الضرب الى احداث عاهة مستديمة او الى الموت.
اما الظروف الشخصية فتتعلق بالركن المعنوي([155]) أو هي جميع الاوصاف و الشروط التي تتوافر في شخص الجاني او تتعلق به و يعتد بها القانون و يرتب عليها اثرا معينا لجسامة الجريمة و العقوبة و هي قد تتعلق بدرجة جسامة القصد اةو الخطا و الشروط الصفات الشخصية التي تتوافر في الحجاني و علاقة الجاني بالمجني عليه([156])
للجريمة كسبق الاصرار أو بشخص الجاني و خطروته كصفة الخادم في الرسقة و الطيبيب في الاجهاض([157]).
تقسيم الظروف من حيث نطاق تطبيقها: تنقسم الظروف من حيث نطاق تطبيقها الى ظروف عامة و تطبق على جميع الجرائم و اغلبها هو ظرف العود و الى ظروف خاصة لا تطبق الا على جريمة أو جرائم معينة كسبق الاصرار الذي لا يخضع له الا القتل العمد و الضرب و الجرح و اعطاء مواد ظارة.
تقسيم الظروف بحسب تكييفها: فمن الظروف ما يعتبر بذاته جريمة و يترتب على اقترانه او ارتباطه بالجريمة الاصلية تشديد عقوبتها، كتشديد عقوبة القتل العمد اذا اقترنت بجانية او ارتطبت بجنحة فالجناية او الجنحة تعتبر هنا ظرفا مشددا لعقبوة القتل العمد اما ما عدا ذلك فلا يعتبر جريمة مثل صفة الخادم في السرقة.
تقسيمات الجريمة
تقسيم الجرائم بالنظر الى ركنها الشرعي
جنايات و جنح و مخالفات:
اساس التقسيم: اساس هذا التقسيم هو اختلاف الجرائم فيما بينها من حيث مقدار جسامتها، فاشد الجرائم جسامة هي الجنايات و اقلها جسامة هي المخالفات و تتوسط الجنح بين النوعين و قد قدر الشارع جسامة كل جريمة ينص عليها ناظرا الى كل جوانبها و عناصرها ثم رتب الجرائم من حيث جسامتها و ووزعها على الاقسام الثلاثة و بعد ذلك وضع معيارا تقاس به جاسمة –خطورة- كل جريمة و يعرف به موضعها في احد الاقسام السابقة و هذا المعيار هو نوع و مقدار العقوبة المقررة لها([158]).
يكاد يكون التقسيم الثلاثي للجرائم هو القاعدة الماخوذ بها في معظم التشريعات. و يجد هذا التقسيم مصدره في المادة 27 من قانون العقوبات الجزائري التي تنص "تقسم الجرائم تبعا لخطورتها إلى جنايات وجنح ومخالفات وتطبق عليها العقوبات المقررة للجنايات أو الجنح أو المخالفات"([159]) و الملاحظ من خلال النص أن المشرع حدا اساس التقسيم و هو الخطورة ثم حدد المشرع معيار التقسيم و هو نوع و مقدار العقوبة المقرر لكل جريمة.
و يكفي الاطلاع على نص المادة 5 من قانون العقوبات لتحديد مقدار العقوبة التي على ضوئها تكيف الواقعة الجريمة كجنابة او جنحة او مخالفة([160]) و قد جاء فيها:
1- العقوبات الأصلية في مادة الجنايات هي الإعدام، السجن المؤبد، السجن المؤقت لمدة تتراوح بين خمس (5) سنوات وعشرين (30) سنة بالأضافة الى الغرامة في حالة الحكم بالسجن المؤقت.
2- العقوبات الأصلية في مادة الجنح هي الحبس مدة تتجاوز شهرين إلى خمس سنوات ماعدا الحالات التي يقرر فيها قانون العقوبات أو القوانين الخاصة حدودا أخرى، غرامة تتجاوز 20.000 دج، بالاضافة الى العقوبات البديلة ممثلة في "عقوبة العمل للنفع العام" و " الوضع تحت المراقبة الالكترونية".
3- العقوبات الأصلية في مادة المخالفات هي الحبس من يوم واحد على الأقل إلى شهرين على الأكثر، الغرامة من 2000 دج إلى 20.000 دج.
الملاحظ على هذا التصنيف أنه يعتمد على العقوبات الاصلية بصرف النظر عن العقوبات التكميلية التي لا تؤخذ بعين الاعتبار كمعيار للتصنيف، كما ان العبرة في تككيف الواقعة بالنظر الى العقوبة المقررة في النص التشريعي و ليس بالعقوبة التي يقضى بها، و ليست العبرة بالوصف الذي ترفع به الدعوى و انما العبرة بالوصف الذي تقرره المحكمة فاذا حركت النيابة العامة الدعوى معتبرة الجريمة مستوجبة طبقا للقنون عقوبة جنائية و لكن المحكمة اعتبرت الجريمة مستوحبة طبقا للقانون عقوبة حجنة فالعبرة بما راته المحكمة([161]).
اهمية التقسيم:
يعكس التقسيم الثلاثي للجرائم اهمية بالغة و تتضح هذه الاهمية من خلال النتائج المترتبة على الصعيدين الموضوعي و الاجرائي.
أ- في قانون العقوبات:
تخضع أحكام قانون العقوبات للتقسيم الثلاثي للجريمة حيث تم وضع احكامه المختلفة استنادا إلى هذا التقسيم و مثال ذلك:
من حيث العقاب على الشروع :تخضع احكام المحاولة "الشروع" لهذا التقسيم فيعاقب عليه في الجنايات بصفة مطلقة طبقا لنص المادة 30 من قانون العقوبات ([162])، في حين انه في الجنح لا يعقاب عليه الا بوجود نصوص خاصة تقرر العقاب على الشروع في الجنح طبقا طبقا لنص المادة 31 من قانون العقوبات، اما المخالفات فلا شروع فيها و لا عقاب عليه اصلا ([163])، و هي قاعدة عامة تطبق بوجود النص عليها مهما كان مصدر التجريم ([164]) سواء في قانون العقوبات([165]) او القوانين المكملة ([166]).
من حيث الاشتراك: يعاقب على المساهمة التبعية" الاشتراك" في الجريمة الموصوفة بالجنايات و الجنح و لا يعاقب على الاشتراك في المخالفات اطلاقا وفق صريح نص المادة 31 من قانون العقوبات.
من حيث الظروف المخففة يختلف مستوى الحد الادنى للعقوبة الذي يجوز النزول عنه باختلاف وصف الجريمة و العقوبة المقررة لها قانونا، ففي الجنايات بوجه عام تخفض العقوبة الى 10 سنوات سجنا اذا اكنت العقوبة المقرة قانونا للجناية هي الاعدام و يجوز تخفيض العقوبة الى 3 سنوات حبسا اذا كانت العقوبة قانونا للجناية هي السجن المؤقت، و في الجنح و المخالفات و في الجنح و المخالفات يجوز تخفيض مدة الحبس الى يوم واحد و الغرامة الى 05 دنانير (م53 ق ع).
من حيث وقف تنفيذ العقوبة : هو جائز في المخالفات بدون قيد و لا شرط، و يشترط في الجنايات و الجنح لتطبيقه ان لم يكن المتهم قد سبق الحكم عليه بالحبس لجناية او جنحة من جرائم القانون العام ( م 592 ق ا ج).
من حيث تقادم العقوبة: فيما يتعلق بتقادم العقوبة تتقادم العقوبة الصادرة في مواد الجنايات بمضي عشرين 20 سنة كاملة ( م 613 ق ع )، و بانقضاء خمس 5 سنوات كاملة في الجنح ( م 614 ق ع) و بمضي سنتين 2 في مواد المخالفات ( م 615 ق ع ).و بطيبعية الحال يبدا سريان هذه المدد ابتداءا من التاريخ الذي يصبح فيه الحكم او القرار نهائيا.
من حيث تطبيق قواعد العود للجريمة: تختلف الاحكام العمول بها بين ما اذا كانت الجريمة جناية او جنحة او مخالفة طبقا للاحكام التي تضمنتها المواد 54 مكرر، الى غاية المادة 54 مكرر 10 و المادة 57 و 59 من قانون العقوبات، فاذا حكم على شخص نهائيا بعقوبة جنائية اعتبر عائدا متى ارتكب بعد ذلك في أي وقت جناية (م 54 ق ع)، و لا يعد عائدا اذا حكم عليه بعقوبة جنحة الا اذا وقعت منه جنحة جديدة في خلال اجل معين و هو خمس سنوات التالية لانقضاء العقوبة الاولى او سقوطها بالتقادم ( م55 ق ع )، اما في المخالفات فلا يعد عائدا مرتكبها الا اذا ارتكب خلال الاثني عشر 12 شهرا من تاريخ الحكم الذي اصبح نهائيا المخالفة نفسها في دائرة اختصاص نفس المحكمة (م 58 ق ع).
ب- في قانون الاجراءات الجزائية:
لتقسيم الجرائم الى جنايات و جنح و مخالفات اهمية خاصة عير جميع المراحل الاجرائية من البحث و التحري الى التحقيق الى المحاكمة، حيث تؤسس احكام و قواعد هذه المراحل الاجرائية على اساس "التقسيم الثلاثي للجرائم" و يمكن ابراز هذه الاهمية في([167]):
1- في قانون الاجراءات الجزائية لا يكون التلبس الا في مواد الجنايات و الجنح و لا يكون في مواد المخالفات طبقا للمادة 41 منه "توصف الجنائية او الجنحة بانها في حالة تلبس اذا كانت مرتكبة في الحال او عقب ارتكابها...".
2- التحقيق القضائي وجوبي في مواد الجنايات بشكل عام، و في الجنح التي يقرر القانون وجوب التحقيق فيها و اختياري في مواجد الجنح اصلا و جوازي في المخالفات طبقا لمادة 66 من قانون الاجراءات الجزائية.
3- التقادم نوعان، تقادم الجريمة و تقادم العقوبة، تقرر مدتها بحسب نوع الجريمة جناية او جنحة او مخالفة، طبقا للمواد 6-9 ق ا ج و بحسب العقوبة المحكوم بها عقوبة جناية او عقوبة جنحة او عقوبة مخالفة في المواد 612-617 ق ا ج.
4- يخضع اختصاص و تشكيل الهيئات القضائية الجزائية المختصة بنظر الدعوى انطلاقا من تحديد طبيعة الجريمة حسب خطورتها جناية او جنحة او مخالفة اعمالا لحكم المادة 27 ق ع و يمكن على سبيل المثال الاطلاع على المواد 340، 358، 429 من قانون الاجراءات الجزائية.
5- ان الحبس المؤقت طبقا للمادة 123 من قانون الاجراءات الجزائية لا يمكن الامر به الا في الجنايات و الجنح المعاقب عليها بالحبس، و لا يكون في المخالفات اطلاقا بل يحدد نوع الحبس المؤقت و مدته و تمديده بحب نوع الجريمة و العقوبة المقررة لها عملا بنص المادة 124 و ما يليها من نفس القانون، كذلك الامر بالاحضار او الامر بالقبض و مذكرة الادياع طبقا للمادة 109 و ما يليها من نفس القانون تتحدد بنوع الجريمة جناية كانت او جنحة و شرط حددها القانون و لا تجوز في المخالفات.
6- تطبيق قانون العقوبات على جرائم تقع في الخارج من جزائري او اجنبي انطلاقا من وصفه لها " جناية او جنحة" و فق شروط محددة قانونا سلفا طبقا للمواد 582، 583، 588 من قانون الاجراءات الجزائية
7- سلطة اطراف الخصومة الجزائية في اقامة الدعوى العمومية تحريكا او رفعا امام القضاء الجزائي سواء كانت جهات التحقيق او الحكم فتخضع فيها لنوع الجريمة جناية او جنحة او مخالفة طبقا للمواد 29،66،67، 72، و 377 مكرر من قانون الاجراءات الجزائية.
هذا بالاظافة لمجموعة من الاحكام الاخرى كالحق في الدفاع في المسائل الجزائية في المادة 100 و ما يليها و درجات التقاضي في المادة 248، 328، 394، و طرق الطعن في الاحكام و القرارات القضائية في المواد 407، 416، 495، ووقف التنفيذ في المادة 592 و ما يليها و رد الاعتبار في المادة 376 من قانون الاجراءات الجزائية([168]).
صعوبات تعترض عملية التقسيم:
على الرغم من بساطة معيار التقسيم فان تطبيقه في بعض الحالات يثر عددا من الصعوبات، موطنها انه يسمح للقاضي أو يوجب عليه ان يحكم بعقوبة من نوع مختلف – قد يكون اشد و قد يكون اخف- عن العقوبة التي يقررها القانون اصلا للجريمة، فيثور التساؤل عما اذا كان نوع الجريمة يتحدد وفقا للعقوبة التي نطف بها القاضي ام وفقا للعقوبة التي يقررها القانون للجريمة اصلا؟ و هذه الصعوبات لها صورتان: صورة الحكم بعقوبة اخف مما يقرره القانون و صورة الحكم بعقوبة اشد مما يقرره القانون([169]).
حالة الحكم بعقوبة اخف مما يقرره القانون عادة:
تفترض هذه الحالة ان الاقنون يقرر للجريمة عقوبة جناية و لكن القاضي لم يحكم الا بعقوبة الجنحة فهل تعد الجريمة جناية باعتبار العقوبة التي يقررها القانون لها ام تعد جنحة باعتبار العقوبة التي نطق بها القاضي؟
اثارت الاجابة على التساؤل خلافا في الفقه و قبل ان نعرض لهذا الخلاف نلاحظ ان القاضي يهبط بالجناية الى عقوبة الجنحة في احدى الحالتين: حالة يكون ملزما فيها بالتخفيف و يكون ذلك عند توافر عذر قانوني كصغر السن مثلا، و حالة يكون فيها التخفيف جوازيا و هذه حالة الظروف المخففة و لا يحددها القانون لكن يترك لفطنة الاقضاي استخلاصها ([170]).
يذهب راي الى القول بان الجريمة تتحول الى جنحة سواء كان التخفيف لتوافر عذر قانوني، أم لتوافر ظرف مخفف، و الحجة في ذلك ان القانون هو الذي يقرر للجريمة العقوبة المخففة التي نطق بها القاضي، فاذا كان التخفيف لتوافر عذر، فالقانون هو نص على العذر و حدد العقوبة عند توافره على نحو ملزم للقاضي. اما اذا كان التخفيف لتوافر ظرف، فالقانون هو الذي خول سلطة التخفيف، إذ أنه حدد جسامة الجريمة على نحو مجرد، و لم يكن في وسعه ان يحدد جسامتها في كل حالة على حدة، فأناب القاضي عنه في ذلك، فما يقرره يعد صادرا عن القانون([171]).
و يذهب راي ثان الى القول بان الجريمة تظل جناية سواء اكان التخفيف لتوافر عذر قانوني ام لتوافر ظرف مخفف. و الحجة في ذلك ان العبرة في تحديد نوع الجريمة هي بخطروتها الموضوعية، أي خطورة مادياتها من فعل و نتيجة، لا بخطورتها الشخصية التي ترجع الى ظروف او صفات مرتكبها: ذلك ان القانون في تحديده جسامة الجرائم على نحو مجرد لك يكن يعرف اشخاصا و لكن يعرف افعالا، و لما كانت الاعذار و الظروف تقوم على اعتبارات شخصية و تتجرد من التأثير على ماديات الجريمة، فمن المنطقي ان نقول بأنه يظل لها نوعها الذي يحدده القانون دون تعديل([172]).
و يذهب راي ثالث الى التفرقة بين التخفيف لتوافر عذر و التخفيف لتوافر ظرف، و القول بان الجريمة تتحول الى جنحة في الحالة الاولى، بينما تظل جناية في الحالة الثانية، و الحجة في ذلك ان التخفيف في حالة العذر وجوبي.فيكون معنى ذلك ان الاقنون لا يقرر سوى عقوبة الجنحة، اما اذا توافر ظرف مخفف فالتخفيف حينئذ جوازي، و حينما يستعمل القاضي سلطته التقديرية فيخفف العقاب، فالتخفيف يكون من صنع القاضي، و هو غير ذي تأثير على خطورة الفعل في ذاته([173]).
و الواقع ان الراي الاول الذي يرى الابقاء على طبيعة الجرمية مهما اقترن بها من اعذار قانونية او ظروف مخففة هو الاولى بالاتباع ذلك ان العبرة هي بالعقوبة المقررة اصلا للجريمة مجردة من الظروف و الاعذار التي تقترن بها و اذا كان المشرع يخفف العقوبة و ينزل بها الى عقوبة الجنحة فان ذلك يتاتى لاعتبارت خاصة بالجاني و هي اعتبارات لا تدخل في تقدير المشرع عند تقسيم الجرائم حيث يعتد فقط بجسامة الاعتداء على المصالح التي حماها جنائيا بنصوصه([174]).
اما بالنسبة الى موقف المشرع الجزائري فقد اجاب على هذا التساؤل بشكل صريح بموجب نص المادة 28 من قانون العقوبات التي تنص على انه"لا يتغير نوع الجريمة إذا أصدر القاضي فيها حكما يطبق أصلا على نوع آخر منها نتيجة لظروف مخفف للعقوبة أو نتيجة لحالة العود التي يكون عليها المحكوم عليه".
و قد وضعت المادتان 28 و 29 من قانون العقوبات تفصيل احكام الظروف المخففة على وصف الجريمة و اعمالا لاحكام المادتين 5، 27 فلا اثر على وصف الجريمة القانوني بما يحكم به القاضي من عقوبة تطبيقا لنص المادة 53 من نفس القانون، و مع ذلك وجب التفرقة في تطبيق حكم المادة 53 من قانون العقوبات و احكام المواد 27، 28 ،52، 53، 53 مكرر5 على النحو التالي([175]):
اولا بالنسة للاعذار القانونية المخففة: و التي اورد المشرع بشانها تعريفا واضحا و دقيقا محددا اياها على سبيل الحصر و قد جاء ذلك بنص المادة 52-1 من قانون العقوبات حين عرفها بانها" الأعذار هي حالات محددة في القانون على سبيل الحصر يترتب عليها مع قيام الجريمة والمسؤولية إما عدم عقاب المتهم إذا كانت أعذارا معفية وإما تخفيف العقوبة إذا كانت مخففة"، فلم يترك الشارع سلطة للقاضي في اعمالها او اهمالها، ففي العذر المخفف يقرر القانون مباشرة تخفيف العقوبة وجوبا في كل جريمة يفترض فيها توافره. و الحال كذلك متى تحقق العذر المعفي من العقاب، فليس للقاضي ان يتجاوزه حال قيامه([176]).
و هناك الكثير من الامثلة عن الاعذار المخففة القانونية مثل عذر تجاوز الدفاع الشرعي المنصوص عليه بالمادة 277([177])، 278([178]) من قانون العقوبات، و عذر صفة الزوجية في جريمة قتل أحد الزوجين الاخر وقت اكتشافه في حالة تلبس بجريمة الزنا في المادة 279 من نفس القانون([179]) و عذر صغر السن في المادة 50 و هي اعذار تغير من وصف الجريمة فتنزل بها الى جريمة اقل جسامة([180])، فتنص مثلا المادة 283 من قانون العقوبات" إذا ثبت قيام العذر فتخفض العقوبة على الوجه الآتي 1- الحبس من سنة إلى خمس سنوات إذا تعلق الأمر بجناية عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد.2- الحبس من ستة أشهر إلى سنتين إذا تعلق الأمر بأية جناية أخرى.3- الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر إذا تعلق الأمر بجنحة".
بالنسبة للظروف القضائية المخففة: هي تلك الظروف و الوقائع التي تدعوى الى اخذ الجاني بالرافة و تخفيف العقوبة حال اقترانها بالجريمة فهي اسباب عامة تركها المشرع لتقدير القاضي لذك هناك من يطلق عليها تعبير الاعذار او الاسباب القضائية و قد نص عليها المشرع في نص المادة 53 من قانون العقوبات التي تقرر " يجوز تخفيض العقوبة المنصوص عليها قانونا بالنسبة للشخص الطبيعي الذي قضي بإدانته وتقررت إفادته بظروف مخففة وذلك إلى حد: 1- عشر (10) سنوات سجنا، إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي الإعدام،2- خمس (5) سنوات سجنا، إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي السجن المؤبد، 3- ثلاث (3) سنوات حبسا، إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي السجن المؤقت من عشر (10) سنوات إلى عشرين (20) سنة،4- سنة واحدة حبسا، إذا كانت العقوبة المقررة للجناية هي السجن المؤقت من خمس (5) سنوات إلى عشر (10) سنوات".
و عليه فانه ليس من شان الظروف القضائية المخففة تغيير وصف الجريمة فتضل على وصفها القانوني رغم نطق القاضي بعقوبة اخف من العقوبة التي قررها القانون للجريمة قد تطبق على جريمة اقل جسامة منها تطبيقا لحكم المادة 28 من قانون العقوبات " لا يتغير نوع الجريمة إذا أصدر القاضي فيها حكما يطبق أصلا على نوع آخر منها نتيجة لظرف مخفف للعقوبة ..".
حالة الحكم بعقوبة اشد مما يقرره القانون عادة:
نفترض أن القانون يقرر للجريمة اصلا عقوبة الجنحة و لكن توافرت لها ظروف مشددة فنطق القاضي بعقوبة الجناية: فهل تكون العبرة بالعقوبة المققرة لها في صورتها البسيطة فتظل جنحة، ام تكون بالعقوبة المشددة التي نطق بها القاضي فتتحول إلى جناية؟
ان الظروف التي هي من هذا القبيل نوعان، نوع متصل بالفعل المكون للجريمة ينص عليه القانون مقدما و يفرض للجريمة اذا ما اقترنت به عقوبة اشد من عقوبتها مجردة عنه كظرف الجماعة الاجرايمة المنظمة في جريمة حيازة مواد مثل حيازة, نقل, شراء، و بيع بطريقة غير مشروعة للمخدرات اذا ارتكبت من قبل جماعة اجرامية منظمة المادة 17 من قانون(04-18) المتعلق بالوقاية من المخدرات و المؤثرات العقلية وقمع الاستعمال و لاتجار غير المشروعين بها، و في هذه الاحاول لا شبهة في ان الجريمة تنقلب من جنحة الى جناية لان الظرف المشدد فيها يغير من من طبيعة الفعل ذاته من حيث جسامته و خطره الاجتماعي([181]).
و النوع الثاني شخصي بحت يرجع الى الفاعل بمعنى خارج عن الفعل و هو ظرف العود طبقا لنص المادة 28 من قانون العقوبات فتعتر الجرائم جنحا في جميع الاحوال و لو حكم فيها بعقوبة الجنائية لان الحكم بهذه العقوبة لم يكن لعلة في الفعل فهو لا يتغير من حيث ماديته و خطره الاجتماعي و انما التشديد لعلة شخص الفاعل و تقسيم الجرائم على الوجه المتقدم بني على النظر الى الافعال المكونة لها و ليس بالنظر الى جناتها([182]).
و بوجه عام يكون التمييز بين الجناية و الجنحة بحسب ما اذا كانت العقوبة المقررة لها قانونا عي "السجن" réclusion او "الحبس emprisonnement" بحيث تكون الجريمة جناية في الحالة الاولى و جنحة في الحالة الثانية ([183]) .
تقدير التقسيم القانوني للجرائم:
كان هذا التقسيم محل نقد من بعض الفقهاء، فمن ناحية انتقد التقسيم كونه غير منطقي، اذ يفترض تعليق جسامة الجريمة على خطورة العقوبة في حين ان المنطق يقضي بان تعلق جسامة العقوبة على خطورة الجريمة.
و من ناحية ثانية، انتقد لانه لا يستند الى اساس علمي، فالواجب ان تقسم الجرائم تبعا لاختلافها في طبيعتها لا تبعا لاختلافها في الاثر المترتب عليها، ويرى اصحاب هذه الانتقادات احلال تقسيم ثنائي يقوم على التمييز بين الجنح و المخالفات محل التقسيم الثنائي السابق و عندهم ان معيار التقسيم هو اختلاف الجنح عن المخالافت في طبيعتها، فالقصد الجنائي متطلب في الاولى دون الثانية.
على ان هذه الاعتراضات ليست من الخطر بما يستدعي العدول عنه، فالاعتراض الاول مردود بان الشارع عند وضع القانون نظر اولا الى ماهية الافعال و رتبها بحسب جسامتها ثم فرض لكل نوع عقوبته المناسبة ثو وضع مقياس التنويع على حسب العقوبات التي وضعها، فليست جسامة الجرمية معلقة على خطروة العقوبة و لكن خطروة العقوبة مجرد مظهر و مقياس لجسامة الجريمة ([184]).
و القول بان التقسيم الثلاثي للجرائم لا يعتمد على اختلافها في طبيعتها غير صحيح بدوره، لان الشارع قدر جسامة كل جريمة و فرق بين الجرائم من حيث جسامتها ناظرا الى اختلافها في طبيعتها و عناصرها، و بالاضافة الى ذلك كله فالشارع غير مطالب بان يقرر تقسيمات علمية فتلك مهمة الفقهاء، و انما يكفي ان يكون التقسيم الذي يقرره واضحا بحيث يصبح اساسا للنتائج العلمية التي يراد استخلاصها([185]). كما ان بساطة الضابط الذي وضعه القانون و سهولة تطبيقه في العمل يدعو الى التغاضي عن هذا الاعتراض النظري([186]).
الفصل الأول
الركن الشرعي للجريمة
تمهيد و تقسيم:
يذهب جانب من الفقه الجنائي الى تحديد اركان الجريمة بركنين: الركن المادي و الركن المعنوي، في حين يضيف جانب اخر من الفقه الركن القانوني او ما يسمى بالركن الشرعي للجريمة، على نحو يجعل للجريمة ثلاثة اركان: الركن الشرعي و الركن المادي و الركن المعنوي، و تلك مسالة لا زالت محل جدال خصيب بين الفقهاء، و دراسة الركن الشرعي هي دراسة لعنصريه هما: خضوع الفعل لنص التجريم و الثاني يتعلق بعدم خضوع الفعل لسبب من اسباب الاباحة و قبل التطرق اليهما نرى من الظروري التطرق الى بعض المبادئ الاساسية.
مبــــــــــــــــــــــادئ اساسيــــــــــــة
أ- ماهية الركن الشرعي للجريمة:
الجريمة من الناحية الاجتماعية خطيئة يترتب عليها اخلال بنظام و امن المجتمع و طمأنينة افراده، و هي من الناحية القانونية امر رتب القانون على ارتكابه عقوبة، و الناحية الثانية متصلة بالاولى بل هي نتيجة لها. و مؤدى هذا ان للجتمع وحده أن يحدد الافعال و الامتناعات التي يراها مخلة بنظامه و العقوبات التي يهدد الناس بها، و من حق الفرد على الجماعة ان تكون هده الامور مبينة و من هنا نشات قاعدة "لا جريمة و لا عقوبة الا بنص"([187]).
الركن الشرعي للجريمة إذن هو الصفة غير المشروعة للفعل، فجوهره تكييف قانوني يخلع على الفعل، و المرجع في تحديده هو إلى قواعد قانون العقوبات، و الركن الشرعي يتجرد من الكيان المادي باعتباره مجرد تكييف قانوني، و هو بذلك يتميز عن الركن المادي للجريمة، و للركن الشرعي طابع موضوعي غالب، باعتباره خلاصة تطبيق قواعد القانون على الفعل، و يعني ذلك أن وجوده غير مرتهن باتجاه خاص لارادة الفاعل، و هو بذلك يتميز عن الركن المعنوي للجريمة([188]).
و الراي السائد في الفقه الفرنسي و المصري حيث يذهب اغلب الفقهاء الى تعريف الركن الشرعي بأنه"نص التجريم الواجب التطبيق على الفعل"، و هذا التعريف محل نقد اذ من العسير اعتبار نص التجريم (القاعدة الجنائية) ركنا في الجريمة في حين أنه خالقها و مصدر وجودها، و لا يتصور العقل اعتبار الخالق مجرد عنصر فيما خلق([189]). و بالاضافة إلى ذلك، فانه اذا ارتكبت الجريمة ظل نص التجريم وجوده مستقل عنها، فلا يتحقق بينهما ذلك الاندماج الذي يقتضيه اعتبار احدهما ركنا للاخر. و في النهاية نلاحظ أن قيام الجريمة من الناحية القانونية لا يتوقف على مجرد خضوع الفعل لنص التجريم، بل يتطلب كذلك عدم خضوع الفعل لسبب إباحة([190]).
و قد ذهبت بعض اراء الفقهاء الى اغفال الركن الشرعي من بين اركان الجريمة و اقامتها على ركنين فقط هما الركن المادي و الركن المعنوي و الحجة في ذلك هو صعوبة اعتبار نص التجريم ركنا في الجريمة على الرغم من انه خالقها، و لكن هذه الحجة لا محل لها اذا حددنا الركن الشرعي للجريمة بانه الصفة غير المشروعة للفعل، اذ لا يأبى المنطق اعتبار هذه الصفة ركنا في الجريمة، فهي متميزة عن نص التجريم و ان كانت مستخلصة منه. و بالاظافة الى ذلك، فان اقامة الجريمة على الركنين المادي و المعنوي و اغفال ركنها الشرعي يجعل من المتصور قيامها بفعل مشروع([191]).
و الذي يبدو ان عدم المشروعية باعبتاره وصفا او حكما قيميا يرد على الفعل المخالف للقانون يعتبر ركنا في الجريمة نفضل ان نطلق عليه "ركن عدم المشروعية" بدلا من الركن الشرعي لان ما تتحقق به الجريمة – بالضافة الى الركنين الاخرين – هو عدم المشروعية و ليس الشرعية، أي انتفاء صفة المشروعية عن الفعل و ليس اثباتها، و الحجة في اعتباره ركنا ان الركن لا تتحقق الجريمة الا بتوافره، فكما أن الجريمة لا تقوم بغير ركن مادي يتمثل في سلوك ايجابي أو سلبي و كما انها لا تقوم دون تحقق ركن معنوي يتخذ مظهر الارادة الاثمة، كذلك لا تقوم دون توافر ركن عدم المشروعية، سواء لان الفعل اصلا لا يعارض القانون أي لا يطابق النموذج القانوني للجريمة او لانه مع مخالفته للقانون قد توافر الى جانبه سبب لاباحته، فان الجريمة في كلتا الحالتين لا تتحقق ففي الحالة الاولى توافرت مشروعية اصلية، و في الحالة الثانية توافرت مشروعية استثنائية([192]).
فمثلا اذا تصورنا ان "أ" اراد ان يختلس مالا منقولا مملوك للغير بنية تملكه و هذا هو الركن المعنوي في جريمة السرقة فارتكب فعل الاختلاس و اخرج المال من حيازة المجني عليه و ادخله في حيازته و هذا هو الركن المادي فان جريمة السرقة لا تقوم بتحقق ركنين فحسب، و انما يجب لقيامها ان يتوافر ركن ثالث هو عدم مشروعية الفعل الذي يتحقق بكون فعلا الاختلاس مخالف للقانون الذي ينهى عن اختلاس المنقول المملوك للغير، فيجب لتحقق مخالفة الفعل للقانون و بالتاللي لتحقق ركن عدم المشروعية ان يكون المال مملوكا للغير، اما اذا كان المال في حقيقة الواقع مملوكا للفاعل و هو يعتقد غير ذلك فان جريمة السرقة لا تقع على الرغم من توافر ركنيها المادي و المعنوي([193]).
و قد احتجت هذه الاراء كذلك بأنّ "الركن الشرعي" لا يعدو غير أن يكون صفة للفعل الإجرامي و أنّه من غير السائغ الفصل بين الفعل و صفته، إذ هي خصيصته المميزة، و هي التي تعطيه أهميته في القانون([194]).
و يرد على هذا النقد بان التحليل العلمي الدقيق يملي الفصل بين هذه الاركان الثلاث اذ يخضع كل منهما لقواعد خاصة تتميز عن القواعد التي يخضع لها الاخر، مما يجعل الفصل بينهما "ضرورة منهجية" كي تكون معالم دراستهما واضحة([195]).
و من بين ما احتج به هؤلاء ان اعتبار "الصفة غير المشروعة" أحد أركان الجريمة يقتضي اشتراط احاطة علم الجاني بها كي يتوافر لديه القصد الجنائي مما يناقض القاعدة المقررة من افتراض العلم بالقانون و الصفة غير المشروعة المستخلصة منه مع أنه من المسلم به أن الجهل بقانون العقوبات لا ينفي القصد([196])، و يرد على هذا بان اشتراط احاطة العلم بجميع أركان الجريمة و عناصرها كي يتوافر القصد الجنائي ليس اشتراطا مطلقا، فثمة تحفظات و استثناءات ترد عليه تجعل من السائغ القول بتوافر القصد على الرغم من انتفاء العلم ببعض أركان الجريمة أو عناصرها([197]).
ب- اهميـــــــة الركـــــــــن الشــــــــرعي للجريمــــــة:
للركن الشرعي اهميته الواضحة في بناء الجريمة، اذ لا وجود لها ان انتفى هذا الركن، و لا حاجة تبعا لذلك الى البحث في أركانها الاخرى، و الصلة واضحة بينه و بين الركنين المادي و المعنوي.
فالركن الشرعي يحدد الماديات التي يصبغ المشرع عليها الصفة غير المشروعة، إذ من البديهي ان يحدد القانون الموضوع الذي يتعلق به التكييف القانوني قبل ان يقرر ذلك التكييف، و هذه الماديات هي جوهر الركن المادي([198]).
أما الصلة بين الركن الشرعي و الركن المعنوي، فتوضيحها أنّ جوهر الاخير علاقة بين شخصية الجاني و ماديات الجريمة، و هذه العلاقة محل للوم القانون، و اساس هذا اللوم أن لهذه الماديات صفة غير مشروعة فكتن ينبغي الا تكون لشخصية الجاني علاقة بها، فاذا قامت هذه العلاقة كانت محلا للوم القانون. و يعني ذلك ان التحقق من توافر الركن الشرعي للجريمة يسبق حتما القول بتوافر ركنها المعنوي([199]).
و من خلال كل ما سبق فانه ينبغي التأكيد على النص التجريمي يدخل في البنيان القانوني للجريمةو لا سبيل لبحث مدى قيام باقي الاركان ما لم يكن الفعل مجرما بنص القانون.
الفصل الأول
خضوع الفعل لنص التجريم
تمهيد:
سبق و ان توصلنا الى اشتارط خضوع الفعل لنص تجريمي كي تكون له الصفة غير المشروعة و يعني ذلك حصلا مصدار التجريم و العقاب في النصوص التشريعية و بهذا الحصر يقوم مبدأ أساسي و هو مبدا "شرعية الجرائم و العقوبات" ...............................و لهذا سوف نعالج مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات ضمن المبحث الاول، و نطاق سريان النص لجنائي ضمن المبحث الثاني.
المبحث الأول
شرعية الجرائم و العقوبات
يعني هذا المبدا حصر مصادر التجريم و العقاب في يد المشرع، بحيث ينفرد وحده بتحديد الأفعال التي يعتبرها غير مشروعة، فيقرر العقاب اللازم لها و من هنا قيل بانه "لاجريمة و لا عقوبة الا بنص"، و سوف نتناول فيما يلي: تحديد مدلول هذا المبدأ و قيمته العلمية، ثم ننتقل بعد ذلك الى تحديد مصادره، و استخلاص النتائج المترتبة كما يلي:
المطلب الأول
مدلول مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات و تقديره
تقسيم:
نتناول في فقرات متتابعة بيان مدلول هذا المبدأ، ثم القاء نظرة تاريخة عليه، قبل الوصول الى تقديره.
الفرع الاول: مدلول مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات
يعني مبدا شرعية الجرائم و العقوبات حصر مصادر التجريم و العقاب في نصوص القانون، فتحديد الأفعال التي تعد جرائم و بيان أركانها، و تحديد العقوبات المقررة لها سواء من حيث نوعها او مقدارها، كل ذلك من اختصاص المشرع و ليس للقاضي شان في ذلك، و كل ما له هو تطبيق ما يضعه الشارع من نصوص في شهذا الشـان، فالمبدا يضع حدا فاصلا بين اختصاص الشارع و اختصاص القاضي و ما قرر دخوله في اختصاص الاول يخرج بذلك عن اختصاص الثاني([200]).
و مؤدى هذا القول أنه ليس للقاضي ان يعتبر فعلا معينا على أنه يكشل جريمة مهما بلغت خطورة هذا الفعل او مناقضته للعدالة و الاخلاق و الدين و قيم المجتمع ما لم يعتره المشرع كذلك، بل الاكثر من ذلك فانه اذا تطلب المشرع عناصر و شروطا معينة لقيام الفعل الجرمي فليس لقاضي ان يرى خلاف ذلك فيقرق عدم أهمية احد هذه العناصر، فان تحققت اركان الجريمة وقع على القاضي التزام بتوقيع العقوبة في حدود مقرره القانون متقيدا ينوعها و مقدارها.
و يعبر عن هذا المبدا في التشرعيات العقابية ب«لا جريمة و لاعقوبة و لا تدبير امن الا بنص» و هو ما ينطق حرفيا على نص المادة الاولى من قانون العقوبات الجزائري([201]).
الفرع الثاني: تاريخ مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات
لم يظهر مبدأ الشرعية الجنائية إلا في اللحظة التي تحددت فيها سلطات الدولة و انفصلت كل منها عن الأخرى، ففي عهد الملكية المطلقة كانت أوامر الملك تتمتع وحدها بقوة القانون الذي يكون له سلطة تجريم الأفعال بمطلق إرادته، و في القرون الوسطى كان القضاة يملكون سلطة تحكمية في تجريم الافعال و العقاب عليها دون نص القانون، و ظلت الحال كذلك حتى اشتد نقد الفلاسفة و الكتاب لهذا التحكم، و على راسهم مونتيسكيو و بكاريا. كما ظهر مبدأ الفصل بين السلطات للحيلولة دون تحكم الملك او القضاة و لحماية حقوق الانسان و نادوا بأن يكون للسلطة التشريعية وحدها حق وضع الجرائم و ما يقابلها من عقوبات([202]).
و قد اخذ القانون الانجليزي بمبدأ شرعية الجرائم و العقوبات منذ ان صدر ميثاق هنري الاول ثم تضمنه دستور كلاريندون و اكده بعد ذلك العد الاعظم Mangna charta الذي قرر سمو قواعد القانون في انجلترا و ذلك سنة 1216، و قد سجلت الثورة الفرنسية هذا المبدأ الهام في المادة الثامنة من وثيقة "اعلان حقوق الانسان و المواطن" الصادر في 26 اوت 1789 يتقريرها « لا يجوز البتة عقاب اي شخص الا بناء على قانون صادر قبل ارتكاب الجريمة، و ليس للقانون اي ينص الا على العقوبات الضرورية بصورة مؤكدة».
كما اقر هذا المبدأ قانون العقوبات الفرنسي الصادر عام 1791 و الذي تبنى مذهب بيكرايا كاملا. و اخذت به ايضا معظم التشريعات العقابية . و نص عليه الاعلان العالمي لحقوق الانسان و المواطن الصادر في 10 ديسمبر 1948 حيث تنص الفقرة الثانية من المادة 11 منه على انه « كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.. لا يدان أي شخص بجريمة بسبب أي عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في حينه يشكل جرما بمقتضى القانون الوطني أو الدولي، كما لا توقع عليه أية عقوبة أشد من تلك التي كانت سارية في الوقت الذي ارتكب فيه الفعل الجرمي» وتضمنته الاتفاقية الاروربية لحقوق الانسان الصادرة عام 1950(م 7) و العهد الدولي للحقوق المدينة و السياسية لعام 1966 (م 71) الى ان اصبح هذا المبدا يعد من حقوق الانسان ذات الطابع العلمي .
الا ان مبدا الشرعية و ان كان موجودا قديما فلم يكن بمفهومه التأصيلي الحديث فتطور بتطور المجتمعات الانسانية فقد عرفت الشرعية الاسلامية مبدا الشرعية منذ ظهورها ، فقال جا و علا في سورة الاسراء «« و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا» اية 15، و في سورة النساء «لئلا يكون للناس حجة بعد الرسل» الاية 165، و في سورة الانعام «لانذر به و من بلغ» الاية 19، و في سورة البقرة «لا يطلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت» الاية 286، و قوله تعالى في سورة القصص«و ما كان ربك مهلي القرى حتى يبعث في امها رسولا» الاية 59.
بالاظافة الى قواعد اصولية مستنطبة من تلك الايات كمبدا «لا حكم لافعال العقلاء قبل ورود النص»، و مبدا« الاصل في الاشياء و الافعال الاباحة» و هي قواعد تقضي بانه ما لم يرد نص شرعي بتجريم فعل معين فلا مسؤولية على فاعله او تاركه لانه يعتبر من الافعال المباحة او المبررة([203])
كما ان معاجلة الشرعية الاسلامية لمبدا الشرعية الجنائية يختلف عن معاجلة القوانين الوضعية له، حيث تترواح المرونة في تطبيقه بين العدم و الوجود بجسب ما اذا كانت الجريمة جريمة حد او دية و قصاص او تعزير، فتطبقه بطريقة جامدة تجريما و عقابا في كل من جرائم الحدود و القصاص و الدية، فليس لولي امر المسلمين اي سلطة تقديرية بشانها تجريما و عقابا، في حين يطبق المبدا بطريقة تتسم بنوع من المرونة في جرائم التعزير فيخول سلطلة تقدرية من حيث تجريم كل سلوك يرى فيه ولي الامر مساسا بمصالح الجماعة و استقرارها و سكينتها و يقرر له العقاب المناسب مما اظفى على الشرعية الموضوعية في الشرعية الاسلامية طابعا خاصا([204])
الفرع الثالث: دسترة مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات
يعتبر مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات من الاهمية بمكان فقد اولته الدساتير العالمية عناية خاصة فتضمته نصوصها فاصبح من البمادىء الدستورية الهامة، فمثلا في الجرائر لم تخرج دساتيرها المتعاقبة على هذا النهج بترسيخ مبدا شرعية الجرائم و العقوبات دستوريا، فنصت عليه المادة من دستور 1963 «لا يمكن ايقاف اي شخص و لا متابعته الا في الأحوال المنصوص عليها في القانونو أمام القضاة المعينين بمقتضاهو طبقا للاجراءات المقررة بموجبه»، و قرره دستور 1976 في مادته 45 و دستور 1989 في مادته 43 التي تنص«لا ادانة الا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل» و يقرره دستور 1996 المعدل في مادته 43 «لا ادانة الا بمقتضى قانون صادر قبل ارتكاب الفعل» و تؤكد مادته44 لا يتابع احد و لا يوقف او يحتجز الا ضمن الشروط المحددة بالقانون و طبقا للاشكال التي نص عليها». و تنص المادة 167 منه «تخضع العقوبات الجزائية لمبداي الشرعية و الشخصية» و تنص مادته 165 «يقوم القضاء على اساس مبادء الشرعية و المساواة»([205]).
و مقتضى هذا المبدا أن تلتزم سلطات الدولة الثالث بهذا المبدا سواء السلطة التشرعية او السلطة القاضئية او التنفيذية، و من هنا تستند الشرعية في القانون الجنائي على ثلالث ركائز([206]):
1- شرعية الجرائم و العقوبات: و تحكم قانون العقوبات لكي تحمي الانسان من خطر التجريم و العقاب بغير الأداة المعبرة عن إرادة الشعب و هو التشريع و لكي تجعله في مأمن من التطبيق بأثر رجعي و بعيدا عن خطر القياس في التجريم و العقاب.
2- الشرعية الجنائية الإجرائية: و تحكم قانون الاجراءات الجنائية يكي تحمي حرية الانسان، و توفر ضمانات هذه الحرية و يتحقق ذلك بافتراض براءة المتهم كأصل عام، و انه لا إجراء جنائي إلا بقنون يسمح باتخاذه، و توفير الضمان القضائي في الاجراءات الجنائية بحسب ان القضاء هو الحارس الطبيعي للحريات، و توفير محاكمة منصفة.
3- شرعية التنفيذ العقابي: و تحكم القواعد القانونية المحددة لمبادىء تنفيذ العقوبات و ذلك لحماية حقوق المحكوم عليه بحسب ان الحكم بالعقوبة يتطلب تقييد حرية المحكوم عليه وفقا للهدف من توقيعها دون مساس بحقوقه و حرياته الإنسانية.
الفرع الثالث: تقييم مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات
لا ريب ان هذا المبدا قد تكفل بتحقيق المزايا الاتية: ([207])
أولا من حيث المزايا:
1. اقام تفرقة بين بين المباح و المحظور بما ينطوي عليه ذلك من ضمان للحرية الفردية، حتى لا يفاجأ شخص بتجريم سلوك في الوقت الذي لم يسبغ عليه الشاعر هذه الصفة الاثمة، و بذلك يظل بمنجاة مع كل مساءلة جنائية
2. انه يضفي على العقوبة اساسا قانونيا يجعلها مقبولة في ضمير الجماعة، ذلك أنه - أي العقوبة- محض شر و اذى محقق، و لا ريب أنها تثير السخط بين الناس- ان كان توقيعها مرتهنا بارادة فرد معين او جماعة محددة بغية الانتقام من الاخرين، اما ان كان انزالها باسم المصلحة العامة، و تحقيقا للتوازن الاجتماعي الذي اهدره الجاني بسلوكه الاثم، فان ذلك يجعل منها خيرا واجب التحقيق، لاشاعة العدل و استقرار الامن في روبع المجتمع .
3. انه يدعم الدور الوقائي للقانون، لما ينطوي عليه من تبصير المخاطبين بأحكامه، بالاثم المترتب على مخالفة أوامره و نواهيه، وهو ما من شأنه أن يحملهم في اغلب الاحوال على سلوك السبيل المستقيم، و النأي عن طرق ابواب الجريمة([208]).
ثانيا: من حيث العيوب
الا انه مع ذلك تعرض لبعض الانتقادات سواء فيما يتعلق بشرق التجريم او شق العقاب التي يمكن اجمالها اهمها في ما يلي:
أ- بالنسبة لشق التجريم: انتقد البعض هذا البمدأ بمقولة انه يقف عقبة في سبيل تقدم المجتمع و تطوره، فالمشرع عندما يجرم الافعال الضارة بمصالح المجتمع الجوهرية انما يضع نصب عينيه المصالح القامئمة فعلا وقت التشريع، غير ان هذه الصمالح قابلة لتطور و قد يكشف هذا التطور عن افعال تمثل خطرا على امنه و نظامه، و من ثم فلا يستطيع القاضي ان يعاقب عليها لان المشرع لم يكن قد نبه ابتداءا الى تجريمها، لذا فان تمسك القاضي بمدا الشرعية يؤدي الى افلات كثير من الافعال الضارة بمصالح المجتمع من كل عقاب لعدم وجود نص يجرمها.
كما ان التمسك بهذا المبدا يسهل للاشرار فرصة التحايل على القنون و الافلات منه و ذلك بارتكاب افعل ضارة و غير اخلاقية تظل بغير عقبا لعدم وجود نصوص بتجريمها، مثال ذلك الاستلاء على مال الغير عن طريق عقد على خلاف تلك العقود المنصوص عليها في جريمة خيانة الامانة 376 ق ع.
كما ترجع عيوب مبدأ الشرعية الى نصوص التشريع نفسه عندما لا يستطيع القاضي نفسه الوصول الى التعريف الدقيق للعمل الاجرامي نتيجة للنصوص الغامضة او الفضفاضة ، في حين لا يسمح له بالتفسير الواسع او القياس و يؤدي ذلك الى تعطيل النصوص التشريعية و تهرب الجناة من العقاب و في ذلك ما يجعل البمدا نفسه لا اجتماعيا Anti-social حيث يقيد القاضي و يجعله عاجزا عن تجريم فعل يهدد امن المجتمع([209]).
ب- بالنسبة لشق العقاب: و قد انتقد البعض الآخر هذا المبدا بمقولة انه لا يساير الاتجاهات الجنائية الحديثة في تغريد العقاب، حيث يغفل تمام ضخية الجاني، فالمشرع يحدد العقوبة و فقا هذا المبدا على قدر جسامة الجريمة و ليس في وسعه ان يجعل العقوبة ملائمة لظروف ارتكابها، حيث انه لا يتسطيع التنبؤ باشخاصهم او احوالهم، مع ان الاتجاهات الجنائية الحديثة تتطلب تفريد العقاب وفقا لشخصية كل مرجم و درجة خطورته لا تبعا لجسامة الجريمة. و قد اكد انصار المدرسة الوظعية مبدا التفريد عندما طالبوا بان اللعقاب يجب توقيعه بقدر المجرم لا بقدر الجريمة.
و على الرغم من الانتقادات التي وجهت لمبدا شرعية الجرائم و العقوبات الا انها لم تستطع ان تنال منه نظرا لقوة الدعائم التي يستند اليها و حجج الاتجاه المؤيد للمبدا.
فالقول بان هذا المبدا يقيد سلطات القاضي بشكل يحرم المجتمع من الحماية الواجبة ازاء افعال غير اخلاقية و ضارة به و بقيمه، مردرود عليه بان المشرع يستطيع دائما ان يتدخل بتجريم هذه الافعال، كما يمكنه عند وضع نصوص التجريم ان يستعمل عبابرات يسمح تفسيرها بتحقيق التوازن بين المحافظة على مبدا الشرعية و ما يتطلبه من نصوص محددة، و بين الحاجة الى تمكين القاضي من حماية المجتمع اظاء افعال ضارة فلا تكون العبارت ضيقة تجعل مهمة القضاي مقصورة على التطبيق الحرفي لها، و لا تكون واسعة مما يترتب عليها تهديد الارفاد و اهدار حقوقهم، فالتمسك بمبدأ الشرعية افضل بكثير من السعي الى حماية المصالح الاجتماعية اذا كان ذلك سيتحقق عن طريق وضع نصوص واسعة فضفاضة لا تقيد سلطات القاضي الجنائي([210]).
اما القول بعجز مبدا الشرعية عن مسايرة الاتجاهات الجنائية الحديثة في تفريد العقاب، فمردود عليه بأن كثيرا من التشريعات الجنائية جعلت للعقوبة في كثير من الحالات حدين: حد اقصى و حد ادنى، بحيث يكون في وسع القاضي الجنائي ان يحدد مقدراها بما يلائم ظروف كل مجرم على حدة، و نصت على عقوبة تخييرية لبعض الجرائم و اخذت بنظام وقف التنفيذ و الافراج المشروط كما خولت ريئس الدولة سلطة العفو عن العقوبة كلها او بعضها و كل هذا من شانه تمكين القاضي من ان يضع في الاعتبار شخص الجاني و الجزاء الملائم له. و يعني ذلك عدم التعارض بين مبدا شرعية الجرائم و العقوبات و بين الاخذ بمتطليت تفريد العقاب، فالسلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي الجنائي لا تتعارض اذن مع مبدا شرعية الجرائم و العقوبات طالما ان القانون هو الذي ينظمها و يضع حدودجها و يقرر قواعدها.
و خلاصة القول ان الانتقادات الموجهة الى مبدا الشرعية لم تفلح في النيل منه و ما ذلك الا لانه يعتبر صمام امان للجرية الفردية و اساس للثات و الاستقرار القانوني و هذا هو الذي دفع التشريعات التي كانت فيما مضى قد ابتعدت عنه الى العودة اليه و اعتناقه، فقد عاد مبدا الشرعية الى قانون العقوبات الالماني بعد انتهاء النظام النازي كما عاد المشرع السوفيتي فنص على هذا المبدا المادة الثالثة من قانون العقوبات الروسي الجديد.
المطلب الثاني
نتائج مبدا الشرعية
يترتب على مبدا شرعية الجرائم و العقوبات نتيجتان هامتان: تتعلق اولاهما بحصر مصادر التجريم و تتصل ثانيتهما: بتفسير النصوص الجنائية و سوف نفصل الحديث عنهما تباعا:
الفرع الاول: حصر مصادر التجرمي و العقاب في القانون:
عملا بميدا لا جريمة و لا عقوبة الا بنص فان مصدر التجريم وجب ان يكون نصا قانونيا، و يعد نصا قانونيا كل قاعدة قانونية مكتوبة صادرة عن سلطة مختصة بالتشريع. و لتوضيح التعريف نقرر اننا نعني بالتشريع كل النصوص المكتوبة التي تقرر قواعد عامة مجردة، شرط ان تكون صادرة عن سلطة مخصتة بذلك وفقا لدستور، فالمعيار المميز للنصوص التشريعية يقوم على عنصرين: الاول، كون النصوص تضع قواعد عامة مجردة، و بذلك تستبعد القرارات الادارية الفردية التي تواجه حالات محددة بالذات، و الثاني كون هذه النصوص صادرة عن سلطة مختصة بذلك طبقا للنظام القانوني العام للدولة كما يحدده الدستور([211]).
انواع النصوص التشريعية:
بتفحص القوانين الجنائية نجد ان القاعدة الجنائية متنوعة الاشكال، فيكون القانون مصدرا للقاعدة الجنائية بمفهومه الدستوري الضيق، أي النص التشريعي و هو الاصل و خاصة في مجال الجنايات و الجنح الخطيرة و ياتي بمفهومه الواسع ليشمل بالاظافة الى النص التشريعي النص التنظيمي و هو الاستثناء خاصة في مجال الجنح و المخالفات البسطية([212]).
أ- الاتفاقيات و المعاهدات الدولة:
تنص المادة 150 من الدستور على أن المعاهدات التي يصادق عليها رئيس الجمهورية تسمو على القانون و من هذا المنطلق يمكن اعتبار المعاهدات الدولية قانونا، و قد قضي في فرنسا بانه في حالة التنازع بين حكم معاهدة دولية و قانون داخلي فان الاولوية تكون تكون للمهادة الدولية حتى و لو صدر القانون الداخلي لاحقا عن المعاهدة الدولية، غير انه قضي في فرنسا بان تفسير المعاهدة الدولية ليس من صلاحيات السلطة القضائية و انما يتعين عليها ان تطلب مدلول الاتفاقية الدولية من وزير الخارجية([213]).
و الغالب ان تترك الاتفاقيات الدولية للدلوة المصادق عليها عناية تحديد تفاصيل شروط التجريم و العقاب في مثل هذه الحالات يبقى تطبيق الاتفاقية معلقا على على صنوص نصوص القانون الجنائي الداخلي ، و مثال ذلك اتفاقية مناهظة التعذيب و غيره من ظروب المعاملة اقاسية و اللانسانية او المهينة التي دخلت حيز التنفيذ في 26-06-1987 و هي الاتفاقية التي صادقت عليها الجزائر بتاريخ 16-05-1989 الجريدة الرسمية رقم 20 ليوم 17-05-1989 غير ان المشرع الجزائري لم يجرم التعذيب تجريما مستقلا و خاصا الى غاية سنة 2004 اثر تعديل قانون العقوبات بموجب القانون المؤرخ في 10-11- 2004 ([214]).
ب- النص التشريعي كمصدر اصلي للقاعدة الجنائية:
و المقصود بالنص التشريعي كما سبق القول هو النص الصادر عن الهيئة المخولة بالتشريع و هي البرلمان بالتصويت عليه في المجلس الشعبيي الوطني و مجلس الامة طبقا للمادة 114 من الدستور، و هو ما يستنبط من النسخة الفرنسية لنص المادة الأولى من قانون العقوبات و ترجمة كلمة قانون بمصطلح lois الذي يقصد به التشريع([215]) بمعنى القانون بالمفهوم الشكلي.
1- قانون العقوبات:
صدر قانون العقبوات الجزائري بموجب الامر 66-156 المؤرخ في 08 يونيو 1966 و هو مستوحى من قانون العقوبات الفرنسي و تثار به كثيرا سواء في خطوطه الرئيسية او ملامحه العامةو هذا مرده اسباب تاريخة معروفة و يتكون من جزئين:
1) الجزء الأول يتضمن المبادىء العامة و ينقسم الى كتابين، يتعلق الاول بالعقوبات و تدابير الامن و الاثني بالفعال و الاشخاص الخاضعين للعقوبة.
2) الجزء الثاني يضتمن التجريم و ينقسم بدوره الى كتابين يتعلق الاول بالجنايات و الجنح، و الثاني بالمخالفات و عقوباتها.
و قد عرف قانون العقوبات الجزائري منذ صدوره العديد من التعديلات تماشيا مع متطلبات المراحل التي مرت بها البلاد و التحولات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية.
2- القوانين المكلمة لقانون العقوبات:
ليس بمقدور اي نص حتى و لو كان قانون العقوبات ان يستوعب لوحده كل الافعال المجرمة مما حذى بالمشرع الى التنصيص على بعض الجرائم و عقوباتها في بعض النصوص الخاصة التي تاتي مكملة لقانون العقوبات في المسائل التي لم يتكفل بها دون الخروج عن الاطار العام لقانون العقوبات و المبادء العامة التي تحكمه([216]). و الامثلة على ذلك كثيرة منها قانون رقم 06-01 المتعلق بالوقاية من الفساد و مكاحفته، قانون الجمارك (قانون رقم 79-07 المؤرخ في 21-07-1979 المعدل و المتمم و غيرها.
و بطيعة الحال يشترط الدستور الجزائري لنفاذ القانون ان يصادق عليه البرلمان بغرفتيه و اثر المصاداقة يسلم القانون لرئيس الجمهورية الذي يصدره في اجل 30 يوما من تلريخ تسلمه ايه طبقا لنص المادة 188 من الدستور. و الاصل ان القوانين لا يعمل بها الا من تاريخ العلم بفحواها، و هذا العلم يفترض بواقعة نشره بالجريدة الرسمية و انقضاء ميعاد محدد من تاريخ النشر و لا يعذر بعد ذلك بالجهل بالقاعدة القانونية و ذلك مؤدة نص المادة 74 من الدستور.
اليوم الذي يحصل فيه النشر لا يدخل في المجال الزمني للقانون الجديد بل يبدا هذا المجال من اول اليوم الموالي للنشر و يستمر العمل بالقانون من يوم نفاذه الىغاية الغائه، و لا يجوز الغاء نص تشريعي الا بنص تشريعي لاحق ينص صراحة على هذا الالغاء او يشمل على نص يتعارض نع نص الشتيرع القديم، او ينظم من جديد الموضوع الذي سبق ان قرر قواعده ذلك التشريع "المادة 102 من القانون المدني"، و قد نصت المادة 4 من نفس القانون على ان القانون يكون نافذا بالجزائر العاصمة بعد مضي يوم كامل من تاريخ نشره، و يكون نافذا في باقي المناطق في نطاق كل دائرة بعد مضي يوم كامل من وصول الجريدة الرسمية الى مقر الدائرة و يشهد على ذلك تاريخ ختم الدائرة الموضوع على الجريدة([217]).
ت- النص التنيظمي كمصدر استثنائي للقاعدة الجنائية:
لا يشترط في النصوص التشرعية صدروها عن السلطة التشريعية و انما يكفي صدورها عن سلطة مختصة بالتشريع، و توضيح ذلك انه اذا كان الاصل هو اختصاص السلطة التشريعية بالتشريع فان الدستور قد يمنح السلطة التنفيذية اختصاصا تشريعيا محددا فتعد النصوص الصادرة عنها تشريعا و تصلح بذلك مصدرا للتجريم و العقاب([218]).
و يقصد بالنصوص التنيظمية على وجه الخصوص الاوامر الاصدرة عن رئيس الجمهورية و المراسيم الصادرة عن السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الجمهورية و رئيس الحكومة و القرارات الصادرة عن الوزراء و الولاة و رؤاس البلديات.
1- الاوامر: اختلف الفقه في وصف الاوارم الاصدرة عن رئيس الجمهورية فمنهم من كيفها على قوانين بالنظر الى موضوعها و منهم من كيفها على انها نصوص تنفيذية بالنظر الى شكلها و الجهة التي صدرت عنها و المثلة في رئيس الجمهورية و هو صاحب اللسطة التنفيذية.
و بالرجوع الى الدستور الجرزائري نجد انه اجاز في حالات استثنائية لرئيس الجمهورية التشريع باوامر بنصه في المادة 142 من الدستور"لرئيس الجمهورية ان يشرع باوامر في حالة شغور المجلس الشعبي الوطني او بين دورتي البرلمان" و اضافت نفس المادة في فقرتها الثانية" يعرض ئريس الجمهورية النصوص التي اتخذها على كل غرفة من البرلمان في اول دورة لتوافق عليها" و تعد لاغية اذا لم يوافق عليها البرلمان.
كما يجوز لرئيس الجمهورية التشريع باوامر في الحالات الاستثنائية المنصوص عليها في المادة 94 من الدستور " اذا كانت البلاد مهددة بخطر داهم يوشك ان يصيب مؤسساتها الدستورية او استقلالها او سلامة ترابها"، و ما تجدر الاشارة اليه الى معظم النصوص القانونية بما فهيا قانون العقوبات صدرت في شكل اوامر عن رئيس الحوكمة ورئيس مجلس الوزراء في الفترة الممتدة من 1965 الى 1977 و هي الفترة التي عاشت فيها الجزائر بدون هيئة برلمانية بعدها تم تحويل الصلاحيات التشريعية الى مجلس الوزراء بموجب الامر المؤرخ في 19-06-1965([219]).
ت- المراسيم و القرارات الادارية:
لا ريب ان المراسيم و القارارت الادارية من اعمال اللسطة التنفيذية و من الجائز ان تتضمن احكاما جزائية تجرم و تعاقب على بعض الافعال و لكن التجريم ينحصر في مجال المخالفات فقط كما يتبين من نص المادة 140 -7 من الدستور الذي نص بان يشرع البرلمان في مجال قواعد العقوبات.
ثانيا: دور العرف و المصادر الاخرى في قنون العقوبات
اذا كان القانون وحده هو وحده مصدر نصوص التجريم و العقاب، فالنتيجة الحتمية لذلك انه يتعين استبعاد سائر المصادر المالوفة في فروع القانون الاخرى كالعرف و مبادىء الشرعية الاسلامية و مبادىء القانون الطبيعي و قواعد العدالة، و تطبيقا لذلك فلا جريمة في فعل لا يخضع لنص التجريم و لوخالف العرف او مبادىء الشريعة الاسلامية، فهذه المصادر لا تصلح ان تكون مصدرا للتجريم و العقاب، بل لا يجوز بغير نص تشريعي صريح ان تكون هذه المصادر سببا قانونيا لتشديد العقاب([220]).
و لكن استبعاد المصادر السابقة من عداد مصادر التجريم و العقاب لا يعني استبعادها من عداد مصادر القانون الجنائي، و تفصيل ذلك ان القانون الجنائي يتضمن – بالإظافة الى قواعد التجريم و العقاب- تنظيما لحالات استبعاد العقاب و تخفيفه، و هذه الحالات لا تنحصر مصادر التنظيم القانوني لها في النصوص التشريعية ، و إنما يتصور أن يكون العرف أو مبادىء الشريعة الإسلامية أو مبادىء القانون الطبيعي و قواعد العدالة مصادر لها ([221]).
اذا كان التشريع – كما تقدم البيان- هو المصدر الوحيد لقانون العقوبات، فإن التساؤل يثتور: هل من دور لباقي المصادر، كالعرف و مبادىء الشريعة الاسلامية و القانون الطبيعي و قواعد العدالة في مجال قانون العقوبات؟ الواقع أن لهذه المصادر دورين:
الأول: في مجال التجريم و العقاب اما بصورة مباشرة حين يستند تحديد أركان بعض الجرائم إلى هذه المصادر، مثال ذلك في جريمة الفعل الفاضح العلني حيث يتطلب المشرع لقيامها تحقق فعلا مخلا بالحياء، إذ يتعذر تحديد توافر صفة الاخلال بالحياء في الفعل إلا بالرجوع الى العرف السائد في زمان و مكان ارتكاب الجريمة([222])، و بذلك يتخذ العرف مكانه بين القواعد القانونية التي تحدد اركان الجريمة([223]).
و إما بصورة غير مباشرة حين يتطلب تحديد عنصار بعض الجرائم تطبيق قواعد قانون آخر غير القانون الجنائي، فمثلا في جريمة السرقة لا تقوم إلا إذا وقع فعل الاختلاس على مل منقول مملوك لغير الجاني، و يقتضي التحقق من توافر محل الجريمة البحث في تطبيق قواعد القانون المدني التي تحدد طرق اكتساب الملكية و انتقالها و انقضائها، كذلك لا تتحقق جريمة خيانة الأمانة إلا اذا كان الشيء محل الخيانة موجودا في حيازة الجاني بناء على عقد من عقود الأمانة مبرم بين الجاني و المجني عليه على نحو لا يمكن الفصل في توافر هذا العنصر الا بالجروع الى احكام القانون المدني المتعلقة بهذه العقود، و من هنا تجد هذه المصادر طريقها إلى بعض عناصر الجريمة([224]).
و الثاني في مجال اسباب استبعاد القعاب او تخفيفه، و هو الدور الاصيل لهذه المصادر أي استبعاد العقاب او تخفيفه، و ذلك ان تقييد قواعد قانون العقوبات بمصدر واحد هو النص المكتوب و هو مضمون مبدا الشرعية انما ينحصر في قواعد التجريم و العقاب باعتبارها تمثل قيودا على الاصل العام في الافعال و هو الاباحة، اما حين تتعلق قواعد قانون العقوبات بالرجوع الى هذا الأصل أي إباحة الأفعال المجرمة و منع العقاب و تخفيفه فإنّ هذا القيد ينحسر فيمكن أن يكون مصدر القاعدة المبيحة القانون، أو العرف و غيرهما من المصادر([225])، من أمثلة ذلك ابحاة الفعل الفاضح العلني بالظهور على شاطىء البحر بملابس الاستحمام استنادا الى العرف.
المطلب الثالث
تفسير نصوص قنون العقوبات
مدلول التفسير: التفسير عملية تهدف إلى تحديد مضمون القاعدة بالنسبة للوقائع المادية التي تندرج تحتها، فالمرشرع يحدد مضمون القاعدة مجردا، بينما تطبيق القاعدة القانونية يمون بالنسبة لواقعة محددة، و لذلك فإنّ التطبيق يحتاج إلى بيان ما إذا كانت تلك الواقعة تندرج تحت نطاق تلك الواقعة المجردة التي تحتويها القاعدة الجنائية، و لما كانت القاعدة الجنائية تأتي في شكل عبارات تحدد ما تحتويه من مضمون فإنّ التفسير هو عملية عقلية تهدف إلى البحث و التضويح للمعنى الذي ترمي اله القاعدة ([226]).
فالتفسير إذن باختصار هو تحديد المعنى الذي قصده المشرع من الفاظ النص لجلعه صالحا للتطبيق على وقائع الحياة([227])، و هو بذلك يعتبر عملية ظرورية لاعتبارين: الاول أنّ وضوح القاعدة من عدمه هو أمر نسبي يختلف من شخص لآخر فما هو واضح بالنسبة لشخص معيّن قد لا يكون طلذك بالنسبة لغيره، و الثّاني أنّ المعنى الظاهر من القاعدة ليس بالظرورة أن يكون هو المعنى الّذي ترمي إليه القاعدة، لذلك فإنّ عدم تفسير القاعدة اكتفتءا بالمعنى الظاهر قد يؤدي إلى فهم خاطىء([228]).
طبيعة التفسير:
اختلف الفقه حول طبيعة التفسير هل هو مجرد المام بإرادة المشرع التي تضمنتها القاعدة القانونية، ام أنّ له دور مكمل للنقص الذي يبدو بصدد بعض القواعد.
يذهب الرأي السائد في الفقه التقليدي إلى أنّ دور المفسر هو معرفة إرادة المشرع المعبر عنها بالقاعدة القانونية دون ان يكون له تكلمة أي نقص قد يتواجد في القاعدة، و هذا الرأي هو نتجية منطيقية للمنهج الشكلي في القانون و الذي يجعل دور القاضي سلبيا ازاء القاعدة القانونية منعا للتحكم و احتراما لبمدا الفصل بين السلطات([229]). و تلك نتجية لمبدا الشرعية الجنائية.
و على عكس الاتجاه السابق نجد انصار المذهب الواقعي في قانون العقوبات و الذين ينطلقون من فكرة أن القانون ليس نظاما كاملا، و انما هو ناقص في كثير من قواعده، و يقصد بذلك انّ المشرع كثيرا ما يترك العديد من المسائل دون حل صريح وواضح في نصوصه، و لذلك يكتفي بوضع قواعد لها صفة العموم، و يتم تحديدها في كل واعة على حدة، و إذا اكنت القاعدة الجنائية تتضمن امرا تشريعيا للمخاطبين باحكامها فلا بد ان يقوم المفسر بتحديد هذه العمومية حتى يمكن تطبيق القاعدة، و لذلك فإن التفسير ليس مجرد المام بإرادة المشرع و انّما هو ايضا عملية مكملة لظاوجه النقص التي تبدو عليها بعض القواعد الجنائية([230]).
و الراي عندنا أنّ مبدا شرعية الجرائم و العقوبات يملي بعدم جعل التفسير مطية لانشاء قواعد جنائية، على نحو يفظي الى الخلط بين الحدود الفاصلة بين وضيفة التشريع و التفسير، على ان ذلك لا يعني ان يقف دور المفسر عند حد معرفة ما انصرفت اليه ارادة المشرع فكثيرا ما تكون هذه الارادة غير واضحة بالنسبة للحالات الواقعية، و لذلك فأن دور المفسر لا بد ان يكون ايجابيا في تكملة اوجه النقص في القانون دون ان ترقى هذه التكملة الى حد خلق قاعدة جنائية جديدة.
انواع النفسير:
التفسير من حيث مصدره ثلالثة انواع: تشريعي، فقهي و قضائي، فالاول- اي التفسير التشريعي- يصدر عن الشارع و يتخذ صورة النصوص القانونية فهو التفسير الذي تقوم به السلطة التي تتلوى التشريع في الدولة لضبط المعنى المقصود لقواعد تشريعية سابقة بسبب ما اكتنفها من غموض و ما صادفته من خلاف عند التطبيق.
و للتفسير التشريعي صورتان، الصورة الاولى و هي التفسير التشريعي للنص و فيه يقوم المشرع بتحديد معاني بعض الالفاظ المستخدمة في قانون معيّن في بداية نصوصه، و قد يكون التفسير التشريعي مصاحبا للنص و مقترنا به، بان يحدد المشرعمعاني بعض الالفاظ في صلب القانون ذاته([231])، و مثال ذلك تحديد المشرع لمعنى سبق الاصرار او المقصود بالمسكن... الخ.
و الصورة الثانية للتفسير هي التفسير التشريعي اللاحق للنص، و فيه يقوم المشرع ببيان مضمون النص محل التفسير بسبب حدوث خلاف في القضاء حول تفسيرها و يسمى النص التفسيري، و متى صدر هذا النص أصبح ملزما للقضاء و يبدأ سريانه منذ الوقت المحدد لبدء العمل به، كما أنه ينطبق على جميع العلاقات التي يحكمها التشريع محل التفسير منذ صدوره و التي ما زالت منظروة امام القضاء و لم تصدر بشأنها أحكام نهائية، بشرط أن يأتي النص المفسر بحكم جديد يختلف عن الحكم الذي جاء به النص محل التفسير- اي انها مستثناة من قاعدة عدم رجعية القوانين الجنائية على الماضي – لاننا في هذه الحالة نكون أمام الغاء ضمني للنص الغامض و ليس تفسيرا له([232]).
التفسير القضائي: هو التفسير الذي يتولاه القضاء بحكم وظيفته او بحكم طبيعة اختصاه بالفصل في المنازعات التي تعرض عليه، فهو التفسير الذي يصدر عن القضاء بصدد تصديهم للفصل في الدعوى المطروحة عليهم و يستهدف تطبيق القانون على القوائع المادية، و التفسير القضائي يعتبر تسفيرا عمليا يتأثر بالظروف القواعية التي تحيط بالقواعة موضوع الخصومة، و هذا النوع من التفسير غير ذي صفة ملزمة حتى بالنسبة لقاض ىخر يدنوه في السلم القضائي([233]).
التفسير الفقهي: تفسير يتولاه الفقهاء و شراح القانون الجنائي لاستجلاء معى النص القانوني، و التفسير الفقهي غالبا ما يعين القضاء على تطبيق القانون، كما قد ينبه المشرع غلى اوجه النقص في القاواعد القواعد القانونية فيسعى الى استمكال و استجلاء غموضهاو هذا التفسير غير ملزم للقاضي.
هل يخضع تفسير النصوص الجنائية لقواعد خاصة:
تحكم عملية تفسير النصوص القانونية اعتبارات عدة منها اعتبارات عامة واجبة الاحترام في تفسير أي قانون، و أخرى خاصة بتفسير النصوص العقابية دون غيرها([234]):
الظوابط العامة: فتتمثل في ان العبرة عند التفسير بإرادة القانون لا بارادة المشرع، ذلك ان المشرع لا يقصد به سوى مجموعة من الاشخاص الذين وضعوا النص القانوني و هؤلاء غابلا ما تتضراب آرائهم، و لهذا فأن القانون يعتبر خلاصة ما تسفر عنه مناقشاتهم، و من ثم فإنّه متى صدر القانون فقد ساتقل عن إرادة واضعيه([235]).
أما الضابط الثاني، فيتمثل في أنه ليس العبرة بالوقت الذي صدر فيه القانون و انما بالوقت الذي يطبق فيه، ذلك أنه بين صدور القانون و تطبيقه العملي كثيرا ما تطرأ تعديلات في مواضع اخرى من القوانين قد تؤثر في النص المطلوب تفسيره.
الضوابط الخاصة: فهي الضبواط التي تنفرد بها النصوص القانونية العقابية عن غيرها من النصوص، يتعلق احردها بالتفسير الضيق للنص، و الثاني بحضر القياس.
التفسير الضيق للنص الجنائي:
يذهب اغلب الفقعاء الى القول بان تفسير النصوص الجنائية ينبغي ان يكون ضيقا، و يقول اخرون بانه ينبغي ان يكون ضيقا ضد مصلحة المتهم و واسعا لمصلحته، و حجتهم في ذلك معتمدة على مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات، ذلك انّ توسع القاضي في التفسير يهدر هذا المبدأ اذ يؤدي الى امتداد نطاق النص الجنائي بحيث يشمل افعالا لم يجرمها النشرع و لم يقرر من اجلها عقابا، و الذين يضيفون الى ذلك ان التفسير ينبغي ان يكون واسعا لمصحة المتهم، يحتجون بأن هذا التوسع ليس من شانه خلق الجرائم او تقرير عقوبات([236]).
و يرد على هذا القول، انه إن كان التجريم و العقاب يستند إلى قانون فإنه من غير المفهوم الحديث عن التفسير الضيق او الحرفي للقانون، فالقاضي عندما يفسر القانون فهو لا يعطي رأيه للشخصي لكنه يبحث عن المعنى الحقيقي للقانون و عن قيكته الحقيقة كما ارادها المشرع، هذا الى ان منهج التفسير الحرفي او الضيق للنص لا يجد تبريره الا في سياق العصر الذي نشا فيه حيث ظهرت المدرسة الكلاسيكية بزعامة الفقيه بيكاريا كرد فعل ضد تحكم النظام القديم و السلطة التحكمية للقضاة، لكن المبدأ في حد ذاته تنقصه الموضوعية، ذلك ان التفسير الضيق او الحرفي يفترض الدقة من جانب المشرع في التعبير عن ارادته، و هي امر غير موجود سواء من حيث الشكل او الموضوع، فالقانون قد ينطوي على عدم دقة في الصياغة و كثيرا ما تشوبه بعض المتناقضات الظاهرية و لا يمكن ان نطالب القاضي بأن يكون بوقا يردد هذه الاخطاء، فعليه ان يبحث عن ارادة واضع القانون من خلال كافة العبارات و الصيغ المستعملة في نصوصه المتكاملة للتعبير عن ارادته([237]).
كما أنّ التعبير الضيق يجعل القانون قاصرا عن مواجهة الظروف الجديدة بل انه قد يجعله عاجزا عن حماية المجتمع في الظروف التي وضع فيها، إذ لا يعقل ان تنطوي عبارات النص على حصر او اشارة الى كل الحالات الضارة بالمجتمع، و في النهاية ينطوي التفسير الضيق على تغليب للألفاظ على نيّة المشرع. اما القول بأن التفسير ينبغي ان يكون واسعا لملصحة المتهم فغير دقيق كذلك، ذلك ان التوسع في التفسير ينبغي الا يكون هدفا في حد ذاته رغم ان التوسع في التفسير على هذا النحو ضار بالمجتمع لانه يعفي من العقاب شخصا قد يكون خطرا عليه([238]).
و دون الدخول في مناقشة اعمق لهذين الرايين، نرى بالتعويل على المنهج الغائي للتفسير و هو الذي يبحث عن الحكمة من النص او عن الغاية التي شرع النص من اجلها ثم الادلاء بتفسير يتكفل بتحقيق تلك الغاية، و لا عبرة بعد ذلك بما اذا كطان يحقق مصلحة المتهم او لا يحققها، لان تفسير النصوص يجب ان يتسم بما تتسم به القاعدة القانونية بصفة عامة، و هي العمومية و التجريد و لا ينبغي ان تستحيل الى تفسير شخصي محدد([239]).
حظر القياس:
القياس وسيلة عملية تهدف الى استكمال ما يشوب القانون من نقص عن طريق ايجاد الحل لمسالة لم ينظمها القانون، و ذلك عن طريق استعارة الحل الذي قرره القانون لمسألة مماثلة لها، و على هذا النحو فأن القياس ليس وسيلة لاستخلاص ارادة القانون في اطار الصيغة التي استعملها، بل يفترض ان القانون لم ينظم المسألة محل البحث و لم يقدم لها مباشرة الحل الواجب التطبيق([240]).
و اذا كان هذا هو مدلول القياس، و استنادا الى مبدا شرعية الجرائم و العقوبات يحظر القياس في مجال التجريم بمعنى عدم امتداد النص الجنائي للتطبيق على واقعة غير منصوص عليها فيه، لما ينطوي عليه ذلك من مساس بالحرية الفردية، ولواتحدت العلة، اذ لو اراد المشرع مثل هذا الامتداد لوسعه ان يفعل ذلك بلا تردد.
و عليه يحظر على المفسر ايا كان ان يقيس فعلا غير منصوص على صفته الاثمة، على فعل اخر ورد الحديث عنه في نص تجريمي، لما بينهما من تطابق او تقارب او تشابه([241])، ففي جرمية النصب مثلا لا يجوز القول بتحقق ركنها المادي بوسيلة اخرى غير تلك التي ورد النص عليها في المادة 376 من قانون العقوبات و في جريمة خيانة الامانة لا يجوز اضافة عقد جديد خلافا لعقود الامامة الوادرة في نص المادة 376 من قانون العقوبات.
جواز القياس في غير نصوص التجريم:
يستند حظر القياس الى مبدا شرعية الجرائم و العقوبات فحيث لا يكون مجال لهذا المبدا لا يكون وجه لحضر القياس، و مجال هذا المبدا هو نصوص التجريم، اما اذا كان النص يقرر سببا للاباحة أو لامتناع المسؤولية او لامتناع العقاب فلا شان لهذا المبدا به و لذلك كان الالتجاء الى القياس في تفسيرها جائزا و لا مساس في ذلك بحقوق المتهم لان القياس في تفسير النصوص يخرجه من جدائرة العقاب و لا اضرار كذلك بالمجتمع لان النفسر لا ياخذ بالقياس الا حيث يقطع بان الاخذ به يطابق قصد الشارع([242]).
و تطبيقا لذلك ساغ لدى الفقه و القضاء اعتبار الدفاع الشرعي سببا عاما لاباحة على الرغم من ان نصوصه تتحدث عن جريمتي القتل و الضرب – الايذاء البدني- فحسب طبقا لصن المادة:.................................
و يرى بعض الفقه جواز القياس عند اعمال الظروف القانونية المخففة كحالة الزوج الذي يفاجئ زوجته حال تلبسها بالزنا و يقتلها في الحال هي و من يشاركها الزنا ان يستطيل التخفيف الى كل من الاب و الابن و الاخ لاتحاد العلة و سكوت النص ( المادة من قانون العقوبات) عن ذلك الحكم ([243]).
تفسير الشك لصالح المتهم:
كثيرا ما يلابس النص الجنائي غموض شديد بحيث يحتمل تفسيره تاويلات شتى، ففي هذه الحالة يحمل كل تأويل "شكا" في انه المعنى المقصود من الشارع، لهذا جرى العرف على القول بانه "عند الشك يفسر النص لصالح المتهم"، على انه من الواجب ملاحظة ان هذه القاعدة تعني ان الكشف عن قصد الشارع مستحيل، اما اذا كان صعبا فان هذا لا يعني ان نقطع سبيل البحث و نطبق النص و نحن لازلنا في مرحلة الشك، ان الشك الذي يفسر للصالح المتهم ليس هو الشك لدى المفسر -قاضيا كان او فقيها- في حقيقة المقصود بنص القانون، و انما الشك الذي يفسر لصالح المتهم هو الشك في نسبة الجريمة الى المتهم او نسبة ظرف من ظروفها المشددة اليه. أي يتعلق "بالوقائع" و مدى نسبتها الى المتهم فهذه الوقائع لكي يسال عنها و يصدر الحكم بالادانة فيها فان على القضاي ان يبني حكمه على اليقين لا الشك و بهذا يتقلص هذا المبدا الى مبدا من مبادىء الاثبات لا علاقة له بالتفسير([244]).
نطاق تطبيق قانون العقوبات
تمهيد و تقسيم:
يخضع تطبيق قانون العقوبات لحدود زمانية و مكانية، فلا يطبق زمانا الاّ بحدود معينة تسهتل من تاريخ العمل به، و لا يجوز ان يحكم وقائع سابقة على المعل به الا بشروط معينة، كما أنّه قد يكون محدد الفترة بحيث يخضع تطبيقه في غضونها لقواعد معينة، اما عن الحدود المكانية فهي ترتد الى فكرة السيادة الاقليمية، و مدى امكانية تطبيق التشريع الوطني على كل جريمة تحصل على اقليم الدولة او خارجها و ما هي قواعد اختصاص القضاء الوطني عند تصديه للفصل في جريمة ارتكتب في الخارج.
و سوف نفصل البحث في هذين الحدّين الزّماني و المكاني في مبحثين متواليين.
المبحث الأول
نطاق تطبيق العقوبات من حيث الزّمان
يثير تطبيق قانون العقوبات من حيث الزمان مشكلة تعدد القوانين التي تحكم الوقاعة الاجرامية، فاي قانون منها يحكم الواقعة، إذا فرضنا أنّ قانون عقوبات جديد قد الغى قانون العقوبات او عدله على نحو ينشىء جريمة أو يشدد عقوبة نص عليها القانون القديم، فهل يجوز تطبيق القانون الجديد بأثر رجعي على الأفعال التي وقعت في ظل القانون القديم؟
لاشك انّه فقا لمبدأ شرعية الجرائم و العقوبات فانّ النص القانوني يحكم الجرائم الّتي وقعت بعد العمل به، و من ثم فإنّ تطبيق قانون جديد يسيء الى مركز المتهم من خلال التجريم و العقاب و يصطدم بهذا المبدأ، فلا شك أنّ عدم رجعية قانون العقوبات هي نتيجة حالة و لازمة لبمبدأ شرعية الجرائم و القعوبات، و لكن ما ذا لو جاء القانون الجيد في صالح المتهم؟ لا شك في أنّ تطبيق هذا القانون لا يتعارض مع مبدأ شرعية الجرائم و العقوبات([245]).
و سوف نفصل الحديث عن القاعدة و الاستثناءات الواردة عليها في مطلبين متعاقبين اولهما يعالج قاعدة عدم رجعية النص الجنائي و يتنثل ثلنيهما رجعية القانون الاصلح للمتهم.
المطلب الاول
قاعدة عدم رجعية النص الجنائي
تقسيم:
يقتضي الوقوف على القاعدة ان نستعرض مدلولها و تبريرها قبل الوقوف على نطاق تطبيقها.
ماهية قاعدة عدم رجعية النص الجنائي:
تعني قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية الموضوعية ان نص التجريم لا يسري الا على الافعال التي ترتكب بعد لحظة نفاذه فهو اذن لا يسري على الافعال التي ارتكبت قبل هذه اللحظة فالنص الواجب التطبيق على الجريمة هو النص المعمول به وقت ارتكابها و ليس النص المعومل به وقت محاكمة مرتكبها و لهذه ااقعدة نتجيان مرتطبان: الاولى، انه لا يجوز ان يطبق نص التجريم على فعل ارتكب قبل العمل بهو كان مباحا في ذلك الوقت. و الثانية انه لا يجوز ان يطبق نص التجريم قبل العمل به و كان معاقب عليه بعقوبة اخف مما يقضي به ذلك النص فمركتب هذا الفعل لا يجوز ان يوقع عليه عقاب يزيد عما كان يقضي به النص السابق الذي كان معمولا به وقت ارتكاب الفعل([246]).
واقع الامر ان مبدا عدم الرجعية يرتكز على مبدا الشرعية الجنائية بوصفها ضمانا لحمايةالحريات الفردية فالرجعية في المواد الجنائية تتناقض مع ما يتطلبه مبدا الشرعية من اخطار سابق و صريح للمواطنين بالتجريم و العقاب و غيرها من الاجراءات المقيدة للحرية التي تولد اليقين القانوني لدى المخاطبين بالقانون، فكفالة عدم الرجعية تحقق الامن القانوني sécurité juridique ([247]).
و تعد هذه القاعدة احد اهم نتائج مبدا الشرعية و قد وصفت بانها النتجية اللازمة Collaire للمبدأ و قيل هي جزء منه او المظهر العنلي له([248]). و نظرا لاهمية القاعدة فقد نصت عليها الدساتير و القوانين الجنائية و منها الدستور الجزائري بنص المادة 43 من الدستور" .........."و المادة 02 من قانون العقوبات و من هنا فان هذه القاعدة في المجال الجنائي صفة الدستورية الى جانب صفتها العامة و تربتب على ذلك اعتبار نص التجريم الذي قرر له الشارع اثرا رجعيا نصا غير دستوري.
تعليل قاعدة عدم رجعية النص الجنائي:
هذه القاعدة مستمدة من مبدا شرعية الجرائم و العقوبات فلا يتصور التسليم باحدهما و انكار الاخر و ما يقدم لتدعيم مبدا شرعية الجرائم و العقوبات يصلح بالضرورة لتاييد قاعدة عجم رجعية النصوص الجنائية، و لتوضيح هذه الصلة نقرر ان مبدا شرعية الجرائم و العقوبات يتطلب ان يتوافر- الى جانب الفعل المرتكب- نص يجرمه، فإذا طبق على الفعل نص لم يعمل به الا بعد ارتكابه، فإن معنى ذلك العقاب على فعل على الغرم من النص لم يكن الى جانبه وقت ارتكابه، فاهدار قاعدة عدم الرجعية يعني العقاب على فعل كان مباحا وقت ارتكابه، او العقاب عليه باشد مما كان مقرر وقت ارتكابه، و في هذا اهدار لا شك فيه لمبدا شرعية الجرائم و العقوبات و فيه تبعا لذلك عدوان على حقوق الافراد و حرياتهم([249]).
نطاق قاعدة عدم رجعية النص الجنائي:
مما تقدم يتضح أن نطاق تطبيق قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية انما يتحدد بالنصوص المتعلقة بالتجريم الاسوا للمتهم، و يدخل في ذلك النصوص التي تنشا الجرائم أو تعرفها و التي تقرر العقوبات و تحددها او التي تشدد العقوبات القائمة سواء بالنص على عقوبة اشد لذات الجريمة او بالنص على ظروف مشددة للعقاب يستمده المشرع من الظروف المادية للجريمة نفسها او من ظروف الجاني و حالته الشخصية و بصفة عامة كل ما من شانه ان يسء مركز المتهم من ناحية التجريم او من ناحية العقاب على وجه من الوجوه حتى و لو كان ذلك في صورة الغاء مانع من العقاب مقررا من قبل او تقييد مثل هذا المانع بقيود او بشروط لم تكن موجودة من قبل([250]).
و على ذلك لا تسري قاعدة عدم الرجعية على النصوص الجنائية الاصلح للمتهم و لا على النصوص التفسيرية و التي لا تستهدف في الحقيقة غير مجرد توضيح نصوص سابقة اذ تعتبر جزاء لا يتجرا من القاعدة الاصلية التي صدرت القاعدة الاصلية لتفسيرها في الحالات التي يكون فيها حكم القاعدة غامضا او موضوعا لتخبط المحاكم في تطبيقه بين تفسيرات متعددة و لا يحول دون ذلك كون النصوص التفسيرية تقرر تفسيرا اشد على المتهم مما كان يذهب اليه القضاء ذلك لان رسيان التفسير الجديد على الوقائع السابقة على صدوره لا يعتبر خروجا على مبدا عدم الرجعية لان النص الذي يطبق هو في القواع النص القديم الذي كان يحكم الواقعة حين ارتكبت و الذي كان دور القانون الجديد مجرد تفسيره فهو لا يضيف قواعد جديدة ولا يشدد العقاب الذي كانت تقرره القاعدة السابقة([251]) .
و يلاحظ ان العبرة في وصف القانون بأنه تفسيري هو بطبيعته و حقيقته بصرف النظر عن وصف المشرع له، و من ثم فأنه اذا وصف المشرع قانونا بانه تفسيري و تبين للقاضي انه في حقيقته ليس كذلك، تعين عليه ان يخضعه لقاعدة عدم الرجعية، تاسيسا على انه ليس للمشرع ان يخالف القاعدة لا في صورة صريحة او صورة مستترة باصدار قانون تفسيري يتمضن حكما جديدا اشد بوصفه انه تفسير لنص قديم([252]).
تطبيق قاعدة عدم رجعية النص الجنائي:
لتطبيق فاعدة عدم رجعية النص الجنائي لا بد من التحقق من امرين:
أولهما: تحديد وقت العمل بالقانون الجديد.
ثانيهما: تحديد تاريخ ارتكاب الجريمة.
اولا: تحديد وقت العمل بالقانون الجديد
لا يعرف القانون الوضعي نصوصا ابدية فالنص ينشا في زمن معين و ينقضي سلطانه في زمن معين ايضا و من ثم كان السلطان الزمني للنص محصور بين لحظتين، لحظة نشوئه و لحظة انقضائه فلا سلطان قبل اللحظة الاولى و لا سلطان له بعد الحظة الثانية و له سلطان كامل بين اللحظتين([253]).
الاصل في القوانين أنه لا يعمل بها الا من تاريخ العلم بها، و ان هذا العلم يفترض في كل مواطن بمجرد نشره في الجريدة الرسمية و فوات الميعاد المحدد للنشر طبقا لنص المداة 78 من الدستور التي تنص" لا يعذر احد بجهل القانون" و تختص الدساتير عادة بتحديد وقت العمل بالقانون الجديد و اليوم الذي يحصل فيه النشر لا يدخل في المجال الزمني للقانون الجديد بل يبدا الحساب من اليوم التالي و يستمر العمل به حتى تاريخ الغائه([254]).
و هكذا تنص المادة 78 من الدستور انه " لا يحتج بالقوانين و التنظيمات الا بعد نشرها بالطرق الرسمية" فبعد اصدار القانون من طرف رئيس الجمهورية لا يكون الاقنون نافذا الا بعد نشره بالجريمة الرسمية بمدة 24 ساعة بالنسبة للجزائر العاصمة و بعد 24 ساعة من وصول الجريدى الرسمية الى مقر الدائرة في باقي الولايات وفق صريح نص المادة 4 من القانون المدني.
و انقضاء القاعدة الجنائي يكن بطريقين الاول : هو الغاء الذي قد يكون صريحا باشتمال التشريع اللاحق على حكم يقرر انهاء العمل بالتشريع السابق، و قد يكون ضمنيا بنشوء قواعد جديدة متعارضة معها كأنيشتمل التشريع اللاحق على احكام تتناول نفس الموضوع و تتعارض معه او ينظم من جديد موضوع قد تناوله القانون القديم، و الثاني هو انقضاء المدة المحددة لسريان القواعد في الحالات التي يحدد فيها القانون لسريان القاعدة اجلا معينا فتنقضي بانقضائه و هو ما يتوافر بالنسبة للقوانين محددة المدة([255]).
ثانيا: تحديد لحظة ارتكاب الجريمة.
لتطبيق قاعدة عدم رجعية النص الجنائي لا بد كذلك من تحديد تاريخ حدوث الواقعة المقصودة بعدم رجعية القانون الجديد الاسوء للمتهم، فهذا التاريخ هو الذي يحدد المركز القانوني للمتهم([256]).
و العبرة دائما بارادة الجاني من حيث سيطرتها على وقوع الجريمة فاذا وقع النشاط الاجرامي في لحظة معينة ثم حدثت النتجية في لحظة اخرى بعد عدة ايام فان العبرة في وقوع الجريمة تكون بالنظر الى القانون المعمول به وقت النشاط الجرمي، فالشرعية الجنائية تقوم على سبقا اخطار الجاني بنصوص التشريع قبل ان تتجه ارادته الاجرامية الى اقتراف الجريمة و هو ما لا تتحقق حكمته الا بالنظر الى النشاط الاجرامي لا بالنظر الى النتيجة التي تتحكم في وقوعها عوامل مختلفة كان توقعها او وجوب توقعها منظروا اليه وفقا للقانون القديم الذي كان معوملا به وقت مقارفة النشاط الاجرامي([257]).
و قد حدد المشرع الجزائري معيار ارتكاب الجريمة هو تحقق جزء من الاجزاء المكونة لركنها المادي وفق نص المادة 586 من قانون الاجراءات الجزائية" تعد مرتكبة في الاقليم الجزائري كل جريمة يكون عمل من الاعمال المميزة لاحد أركانها المكونة لها قد تم في الجزائر".
صعوبات تطبيق قاعدة عدم رجعة النصوص الجنائية:
ماهية الصعوبات: يكشف اعمال قاعدة عدم رجعية القواعد الجزائية الموضوعية عن بعض الصعوبات التي تعزى تارة الى طبيعة الجريمة الواقعة و تارة اخرى الى القانون واجب التطبيق ذي الاثر الفوري، اما بالنسبة للجرائم الشكلية اي التي ليس فيها نتيجة بيحث يكتمل بنيانها القانوني بمرجد تحقق السلوك فقط فهذه بمجرد وقوع السلوك يكفي لتحديد لحظة ارتكاب الجريمة سواء كان سلوكا ايجابيا او سلبيا([258]).
الصعوبات المتعلقة بطبيعة الجريمة الواقعة:
مدى سريان القانون الجديد باثر رجعي على الجرائم المسترة(الجرائم المتمادية):
الجريمة المستمرة أو المتمادية :هي التي يستغرق السلوك المكون لركنها المادي فترة زمنية تطول او تقصر، سواء كان السلوك ايجابيا او سلبيا متى كان استمرار هذا السلوك الايجابي او السلبي مقرونا بتجدد الارادة الاثمة للجاني و مثال ذلك جريمة الاتفاق الجنائي م 176 ق ع ، و جريمة اخفاء اشياء مسروقة او المتحصلة من جنائية او جنحى م 387 ق ع و استعمال المحررات المزوة، و على الرغم من ان الجريمة المتمادية يبدا تنفيذ ركنها المادي في ظل قانون ما و يظل هذا التنفيذ مستمرا حتى صدور قانون جديد فان هذا الاخير يطبق و لو كان اسوء للمتهم، و مرد ذلك طبيعة الجريمة المتمادية ذاتها([259])، لان الاستمرار يجعل الجحريمة متجددة في كل لحظة من لحظات الاستمرار([260]).
الجرائم التي تتراخى فيها النتيجة عن السلوك (الجرائم الوقتية - الزمنية):
و يقصد بذلك الجرائم تتطلب سلوكا ماديا يبدأ و ينتهي لتوه، فيتحدد تاريخها بوقت وقوع هذا السلوك المكون لركنها المادي حتى و ان تراخت حدوث نتيجتها الاجرامية فترة من الزمن، كمن يطلق النار على احد الاشخاص قاصدا قتله ثم يموت المجني عليه بعد عدة ايام تاثرا بهذه الاصابة ([261])و تسمى هذه الجرائم بالجزائم الزمينة و ثتور الصوعبة في هذه الجرائم فميا لو وقع السلوك في ظل قانون معين و لكن تحققت النتجية بعد نفاذ القانون الجديد الاسؤوا للمتهم فاي من القانونين يصر واجب التطبيق؟ يميل الراي الراجح من الفقه الى ان لحظة اتيان السلوك تعد هي اللحظة الحاسمة في تحديد وقت ارتكاب الجريمة و بالتالي ينحسر القانون الجديد و يمتنع تطبيقه باثر رجعي، و يظل القانون الواجب التطبيق هو القانون الذي ارتكب في ظله السلوك لان العدوان انما يرتكز في لحظة ارتكاب هذا السلوك([262]).
و يعتقد بعض الفقه ان الجرائم الزمنية على النحو السابق تصويره هي ادنى ما يكون لفكرة المراكز القانونية المستمرة التي تبدا في ظل قانون و تظل مستمرة الى ان تكتمل في ظل قانون جديد اخر، و الجريمة الزمنية التي يتراخى فيها تحقق النتجية عن اتيان السلوك لا يكتمل بنيانها القانوني و ياخذ وصفه القانوني الصحيح و الدقيق الا بتحقق النتيجة، لانه دون ذلك قد تاخذ الجريمة وصفا اخر و ابتداء من هنا يسوغ القول أنّ القانون واجب التطبيق هو القانون الجديد الّذي تححقت النّتجية بعد بدء العمل به سواء كان اصلح للمتهم او اسوأ له، و ليس للاخير ان يحتج بتطبيق القانون السابق الذي في ظله وقع السلوك لانه في هذه اللحظة لم تكن الجريمة قد اكتملت و لا اخذت وصفها القانوني الصحيح و من البديهي ان لا ينصرف هذا التحليل الاّ لجرائم النتيجة([263]).
و بطبيعة الحال فاننا لا نؤيد هذا القول، بل يحمل في طياته ما يهدر مبدأ الشرعية لان الجرم يعتبر مقترفا حالما تتم افعال تنفيذه دون ما نظر الى وقت حصول النتجية.
الجريمة الوقتية المتتابعة: هي عبارة عن جريمة وقتية بطبيعتها لكن نفذها الجاني على الجاني على دفعات بينها فواصل زمنية بقصد تحقيق غرض واحد، كمن يسرق محتويات منزل على دفعات و القانون الذي يسري على هذه الجريمة هو القانون الجديد و لو كان اسوأ للمتهم، متى تحققت دفعة من هذه الدفعات في ظل القنون الجديد و لا يعد بانطباقه عليها ساريا على الماضي، لان اصرار الجاني عليها حتى بعد العمل بالقانون الجديد تعتير مرتكبة تحت طائلة القانون الجديد([264]).
جرائم الاعتياد: يقصد بجرائم الاعتياد او العادة تلك الطائفة من الجرائم التي لا يعاقب عليها المشرع او لا يشدد عقوبتها الا اذا تكرر وقوع الفعل المكون لها عدة مرات، مثل جريمة التسول بالطريق م 195 ق ع ، و جريمة ممارسة الدعارة م 346، 348 ق ع ،و تكمن الصعوبة حال صدور قانون جديد فيما اذا كان يعتد بالافعال السابقة على نفاذه هذا القانون ام بالافعال اللاحقة على نفاذه.
يرى اتجاه سائد ان حالة الاعتياد لا تتكون الا من الافعال الواقعة بعد نفاذ القانون الجديد و استبعاد ما وقع من افعال في ظل القانون السابق، بينما يميل بعض الفقه و القضاء الى راي اخر مفاده الاخذ في الاعتبار بالافعال السابقة على القانون الجديد لقيام حالة الاعتياد، و مبرر ذلك ان القانون الجديد انما يعاقب على الخطورة الاجرامية التي تفصح عنها الجريمة الاخيرة و التي تشكل في الحقيقة حالة الاعتياد، و يجب ان يعاقب على حالة الاعتياد وفقا للقانون المعمول به لحظة وقوع الفعل الاخير المكون لها، و الحق ان تطبيق القنون الجديد على جرائم الاعتياد لا يشكل في الحقيقة خراق لقاعدة عدم رجعية النص الجنائي فالقانون الجديد يطبق على كل جريمة يداخلها عنصر زمني اذا ثوبر على تنفيذها في ظله([265]).
الصعوبات المتعلقة بالقانون الواجب التطبيق:
القوانين التفسيرية: القانون التفسيري كما سبق و ان اوضحنا هو الذي يصدر بحسب الاصل بهدف تفسير قانون سابق يتسم بالغموض او او يثيره تطبيقه بعض الصعوبات و النصوص التفسيرية لا تضيف و لا ينبغي ان تضيف احكاما جديدة او تعدل من الاحكام القائمة و يترتب على ذلك ان هذه النصوص تسري على الجرائم الواقعة قبل نفاذها و التي تظل خاضعة للقانون السائد، و لا يعتبر ذلك في حقيقته تطبيقا للقنون باثر رجعي لان القانون التفسيري انما يلحق بالقانون السابق و يندمج فيه متى كان لا يضف تجريما و لا يشدد عقابا.
و الحق انه يجب الحذر فيما يتعلق بسريان القوانين التفسيرية باثر رجعي و من الصعب فيما يبدو تبرير سريان مثل هذه القوانين باثر رجعي اذا كان من نتائج التفسير الجديد توسيع نطاق النص الى ما لم يكن يتسع له طبقا للتفسير القديم، حتى و لو لم يكن يضيف قواعد تجريم او يشدد عقاب([266]).
القوانين غير الجزائية المعتبرة شروطا مفترضة:
يتوقف اكتمال البنيان القانوني لبعض انواع الجرائم على توافر شروط مفترضة يتم تحديدها بمقتضى نصوص قانونية غير جزائية، مثال ذلك عقود الامانة في جريمة خيانة الامانة، و صفة الموظف العام في جريمة الرشوة و يثور التساؤل بالتالي حول مدى جواز سريان هذه النصوص على الجرائم القواعة قبل نفاذها بوصفها جزءا لا يتجزا من نص التجريم، و في عبارة اخرى فهل تنسحب النصوص غير الجزائية الصادرة ما بين وقوع الجريمة و تاريخ الحكم فيها على الجرائم السابقة على اصدارها؟ الواقع انه يصعب القول بذلك لان النص الجنائي نفسه يمتنع تطبيقه على الماضي باثر رجعي اذا كان اسوا للمتهم، و يسري هذا الحكم من باب اولى على النصوص غير الجزائية. كما ان امتناع سريان النص الجنائي على الماضي انما يشمل نص التجريم بما يجسده من بنيان قانوني للجريمة يستوعب كافة اركان و عناصر الجريمة و شروطها المفترضة و تكون هذه الاركان و العناصر و الشروط "كلا" واحدا سواء كانت تمثل افكارا جزائية خالصة ام افكارا غير جزائية تنمي لاحد فروع القانون([267]).
رجعية القانون الاصلح للمتهم:
سبق القول ان قاعدة عدم الرحعية تعتبر نتيجة مترتبة منطقيا على مبدا الشرعية، و ان القيود الدستورية الواردة على تطبيقها انما ترتد الى اساس فلسفي هام الا و هو حماية الحريات الفردية و بناءا عليه فلا ضرر من رجعية النص الجنائي ان كان لا ينطوي على مساس بتلك الحريات و هو ما سنفصل البحث عنه:
مدلول قاعدة رجعية القانون الاصلح للمتهم:
يقصد بقاعدة رجعية القانون الاصلح للمتهم ارتداده الى الماضي ليحكم وقائع سابقة على العمل به او بمعنى ادق على صدوره ذلك اننا نكون بصدد قانون جديد لم يكن قائما وقت ارتكاب الجاني سلوكه الاثم و انما كان هذا الاخير خاضعا لسلطان قانون اخر، زالت قيمته القانونية بصدور الجديد، الذي عدل فيه الشارع نظرته في حماية المصلحة وفقا لمفهومه السابق، فاعتبر ذلك تحولا تشريعيا مفيدا للمتهم يتعين سريانه على كافة الوقائع التالية لصدوره بطبيعة الحال و تلك السابقة على هذا الصدور طالما لم يصدر بشانها حكم بات([268])..
مثال ذلك ان يرتكب شخص فعلا يعاقب عليه القانون بعقوبة سالبة للحرية و اثناء محاكمته يصدر قانون جديد ينطوي على احكام جديد تزيل الصفة التجريمة عن الفعل فيغدو مباحا او انها تقرار عقاب اخف مما قراه القانون القديم ، فهنا يثور التساؤل اي القانوين واجب التطبيق؟ هل ذلك الذي كان قائما وقت ارتكاب الفعل ام قرينه الذي اضحى ماثلا وقت الحكم في الدعوى و لم يتررد المشرع في حسم الاجابة عن ذاك التساؤل بالقول بتطبيق الاخير بمقتضى صريح نص المادة 02 من قانون العقوبات.
و بادخال هذا الاستثماء على قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية الموضوعية يغدو نطاقها مقتصرا على النصوص التي تسيء الى المتهم و هي النصوص التي تجرم فعلا كان مباحا او تشدد عقاب فعل كان معقاب عليه من قبل([269])..
اساس المبدأ: يرتكز هذا المبدا على الشرعية الجنائية و يستند الى الاسس التالية:
اولا -حماية الحرية الشخصية: اذ يهدف القانون الجديد الى حماية الحرية الشخصية و صونها من العدوان عليها في اطار الموازنة بين موجباتها من ناحية و ما يعد لازما لحماية مصلحة الجماعة و التحوط لنظامها العام من ناحية اخرى، و في اطار هذه الموازنة و على ضوئها تكون رجعية القانون الاصلح للمتهم ضرورة حتمية يقتضيها صون الحرية الشخصية بما يرد عنها كل قيد غدا تقريرا مفتقرا الى اي مصلحة اجتماعية و يتحقق ذلك بوجه خاص حين يستعيد القانون الجديد الفعل كلية من منطقة التجريم الى دائرة الاباحة و هي الاصل ، مقررا ان ما كل مؤثنا لم يعد كذلك([270]).
فعلة هذا الاسثناء ان سلكة المجتمع في توقيع العقاب محدودة بحدود فكرتي الضرورة الاجتماعية و الفادئة الاجتماعية فان لم تكن للعقوبة ضرورة او فائدة فلا محل لتوقيعها، و اذا الغى القانون الجديد العقوبة او خفف منها فذلك اعتراف منه بعدم جدواها فلا جدوى للاصرار على توقيعها([271])..
ثانيا- انتفاء كل من الضرورة الاجتماعية و التناسب في استمرار التجريم او العقاب: ذلك ان كانت الفلسفة التي كان القانون القديم ينطلق منها و يعاقب على كل فعل يناقضها قد اسقطتها فلسفة جديدة اعتنقتها الجماعة في واحد من اطوار تقدمها بما مؤداه انتفاء الضرورة و التناسب في التجريم و العقاب و من هنا يرتد القانون القديم على عقبيه اعلاء لقيم القانون الجديد في الضرورة و التناسب([272]).
ثالثا- الامتداد قاعدة الشرعية الجنائية: علة قاعدة عدم رجعية النصوص الجنائية هي احترام مبدا شرعية الجرائم و العقوبات فاذا ثبت ان رجعية بعض النصوص لا تمس هذا المبدا تعين النزول عن قاعدة عدم الرجعية، فلا يكون سائغا التمسك بقاعدة زالت علتها([273])، بناء عليه يرتكز هذا المبدا على ارادة المشرع و يراعي تطور المجتمع، فلا يعد اعمال نص جنائي عدل عنه المشرع جزيا او كليا امر غير مفيد فحسب بل انه غير اخلاقي كذلك([274]).، فضلا على ذلك فهو ينطوي على اقرار تشريعي بعدم ملائمة النص القديم لمقتضيات الحال و اعتبارت الضرورة الاجتماعية مما يعني وجب الاسراع بتطبيقه على ما سبقه من وقائع لم يصدر في شانها حكم بات و لا ريب ان في مثل هذا التطبيق كفالة واضحة لصالح كل من المجتمع و المتهم سواء([275]).
الاساس القانوني لقاعدة رجعية القانون الاصلح للمتهم:
يعتبر سريان قانون العقوبات الاقل شدة على الماضي مبدا عاليما نصت عليه المادة 15-1 من الميثاق الدولي للحقوق المدنية و السياسية الذي دخل حيز النفاذ بالجزائر بتاريخ 26 مارس 1976.. "لا يجوز فرض اية عقوبة تكون اشد من تلك التي كانت سارية المفعول وقت ارتكاب الجريمة و اذا حدث بعد ارتكابها ان صدر قانون ينص على عقوبة اخف، وجب ان يستفيد مرتكب الجريمة من هذا التخفيف" و قد نصت المادة 11-2 من العلان العالمي لحقوق الانسان 10 ديسمبر 1948 الذي تبنته الجزائر في دستور 1963 على عدم رجعة القانون الاشد مع اجازة لرجعية القانون الاصلح للمتهم بمفهوم المخالفة.
و قد كرس المشرع الجزائري مبدا رجعية القانون الاصلح للمتهم في نص المادة الثانية من قانون العقوبات منذ صدوره في 08 يونيو 1966 بقوله" لا يسري قانون العقوبات على الماضي الا ما كان منه اقل شدة".
شروط تطبيق هذا الاستثناء:
يتين من خلال الاطلاع على نص المادة الثانية من قانون العقوبات انه يتطلب توفار شرطين هما: كون القانون الجديد اصلح للمتهم، و صدور هذا الاخير قبل الحكم البات في الدعوى و ذلك على التفصيل الاتي:
مدلول القانون الاصلح للمتهم:
لم تعتمد القوانين العقابية التي تاخذ بالقانون الاصلح للمتهم على تعريف معين لكنها اكتفت بايراد احكامه وتركت التعريف للفقه الجنائي و على العموم يقصد بالقانون الاصلح للمتهم ذلك الذي ينشء للمتهم مركزا قانونيا او وضعا يكون اصلح له من القانون القديم([276])، فالفرض اننا تجاه قانون جديد و ليس عملا تشريعيا اخر، يقرر القاضي عند فصله في الواقعة المطروحة انه اخف من سابقه وفقا للقواعد القانونية في التفسير و عليه ثمة شروط ينبغي توافرها في هذا القانون و ثمة ضيواط ينبغي الاستعانة بها عند تحديد تلك الصلاحية([277]):
ا- شروط القانون الجديد:
تقتضي المبادىء القانونية العامة وجوب استجماع هذا العمل التشريعي لجملة شروط نجملها فيما يلي:
1) ان تتوافر فيه صفة القانون بالمعنى الفني الدقيق: بحيث يعتبر قاعدة عامة و مجردة و ليس محض قرار اداري فردي، مثال ذلك القرار الذي يصدره الوالي بالترخيص لمحل معين ببيع المشروبات الكحولية بعد الميعاد المحدد استثناء من القانون فمثل هذا الامر يعالج حالة فردية تفتقر الى العمومية و التجريد ، مما يخلع عنها صفة القانون([278]):
2) ان يتحقق القاضي من توافر تلك الصفة استنادا الى قواعد قانونية تتعلق بتطبيق القانون من حيث الزمان، يتحدد القانون الاصلح للمتهم وفقا لمعيار موضوعي بحت بوصفه مسالة قانونية يقررها القاضي وفقا لظوابط معينة([279]) ، فلا يجوز ان تكون الخيرة للمتهم في اختبار ذلك القانون لان المقارنة التي تجري بين القانونين القديم و الجديد انما تكون على اسس موضوعية و لو لم يصادف ذلك قبولا لديه،([280]) كما لا يجوز للقاضي ان يعبر عن وجهة نظر شخصية، بل يتعين عليه ان يسترشد بظابط معينة يحدد بها الاقنون الالصح للمتهم.
3) ان تكون المقارنة بين القانونين واقعية و ليست مجردة: و يعني ذلك انه لا يجوز للقاضي ان يقارن بين القانونين من حيث الاتجاه العام لكل منهما و لا يجوز ان يكون محل مقارنته اغلبية نصوص كل منهما و انما ينبغي ان يقارن بينهما من حيث حكم كل منهما في حالة واقعية معينة أي في جريمة ذات ظروف معينة و على مرجم ذي ظروف معينة، فالقانون الذي يؤدي تطبيقه على هذه الحالة الى عدم تطبيق العقاب او تخفيفه او اصلحمها و ان كان تطبقه في حالات اخرى مؤديا الى التشديد على متهمين اخرين([281]).
4) ان يكون محل تلك المقارنة القواعد الجنائية دون غيرها: فاذا الحق احد القانونين بالعقوبة اثارا اخرى غير جنائية ذات طبيعة مدنية او ادارية كالتعويض او الانذار فهي لا تدخل في الحسبان، و قد يكون القانون الذي يقرر هذه الاثار من الناحية الجنائية هو الاصلح و لا عبرة بما يحتويه من قواعد اخرى غير جنائية([282]).
معيار القانون الاصلح للمتهم:
اولا نصوص التجريم و المسؤولية الجنائية([283]):
عند المقارنة بين نصوص التجريم في القوانين المتعاقبة يعد القانون اصلح للمتهم اذا ترتب عليه:اسقاط وصف التجريم عن الفعل الذي ارتكبه.، تخفيف هذا الوصف بان يجعل الجناية جنحة.، او ضيق نطاق التجريم بتغير اركان الجريمة او ظروفها على نحو يستفيد منه المتهم اذا اضيف هذا الركن. أو قرر سبب من اسباب الاباحة او مانع من موانع المسؤولية مما توافر في حق المتهم.او اضاف عذرا سعفي من العقاب كلية او عذرا مخففا يخخف من مقدار العقوبة([284]).
ثانيا- نصوص العقاب:
يكون القانون الجديد اصلح للمتهم اذا الغى احدى العقوبات كلية او عدلت تعديلا في صالح المتهم، و يكون التعديل في صالح المتهم اذا قرر للفعل تدبير من تدابير الامن بدلا من العقوبة، او إذا قررت عقوبة أخذف من العقوبة المقررة في القانون القديم، او اذا امكن جعل العقوبة موقوفة النفاذ في القانون الجديد على عكس القانون القديم الذي كان لا جيز ذلك([285])
و لتحديد العقوبة الاخف و الاصلح للمتهم ينبغي على الاقل مراعاة المعايير التالية:
1- الغاء العقوبة: يعتبر القانون الجديد اقل شدة من غيره اذا الغى الاقنون الجديد العقوبة كلية و مدؤدى ذلك الغاء التجريم و اباحة الفعل او ان يلغي العقبوة و يستبدلها بتدبير من تدابير الامن.
- ان عقوبة المخالفة اخف و اصلح للمتهم من عقوبة الجنحة بصرف النظر عن نوع العقوبة و اثرها في نفس المتهم و ان عقوبة الجنحة اخف من عقوبة الجنائية بصرف النظر عن المدة.
-
([1]) القانون الخاص يختص بتنظيم علاقات الافراد فيما بينها و تحديد حقوقهم و واجباتهم و أهم فروع القانون الخاص هو القانون المدني الذي ينظم الإلتزاماات و العقود و القنون التجاري الذي ينظم العلاقات التجارية و قانون الاسرة الذي ينظم احكام الزواج و الطلاق و الارث من غريها من مسئال الاحوال الشخصية، و أما القانون العام فيختص بتحديد دور الدولة و المؤسسات العامة و علاقة الأفراد بها كما يرسم حدود الحريات العامة و طرق ممارستها، و أهم فروع القانون العام هو القانون الدستوري و القانون الإداري و القنون الجبائي الخ..... انظر: احسن بوسقية، المرجع السابق، ص 14.
([4]) انظر تفصيلا : الضباط في تحديد الجرائم التي يعد الرضا سببا لاباحتها، محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص 281.
([9]) اذا قلنا أن الرضا سبب لأباحة بعض الجرائم، فليست على ذلك أنها اعتداء على حقوق مجدرة من الأهمية الاجتماعية، لكن العلة كامنة في طيبيعة هذه الحقوق، و كون المساس بها برضا المجني عليه غير منتج اعتداء عليها، و غير مهدر تبعا لذلك ما للمجتمع من نصيب فيها، انظر محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص 280.
([10]) محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، الطبعة الخامسة، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، 1961، ص 5.
([14]) مأمون محمد سلامة، قانون العقوبات القسم العام، الطبعة الثالثة، دار النهضة العربية، 2001، ص 10.
([15]) سليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات دراسة مقارنة، بدون رقم الطبعة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2003، ص 11.
([16]) سلليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات دراسة مقارنة، بدون رقم الطبعة، منشورات الحلبي الحقوقية، لبنان، 2003، ص 11.
([17]) نجيمي جمال، المبادىء العامة لقانون العقوبات الجزائري، الطبعة 2024، دار الايمة للنشر و التوزيع، الجزائر، 2024، ص 8.
([19]) جلال ثروت، شرح قانون العقوبات، القسم العام، الطبعة الاولى، مطابع الدار الجامعية، مصر، 1989، ص 16.
([20]) نظام نوفيق المجالي، شرح قانون العقوبات القسم العام، الطبعة الاولى، دار الثقافة للنشر و التوزيع، الاردن، 2005، ص ص 416-417.
([22]) رمسيس بهنام، العقوبة و التدابير الاحترازية، مجلة الحقوق للبحوث القانونية و الاقتصادية، كلية الحقوق جامعة الاسكندرية ، مصر، العددان الاول و الثاني، السنة الرابعة عشرة، 1969، ص 151.
([24]) اكدت المحكمة الدستورية العليا في مصر – في كثير من قراراتها- على الوظيفة الجزائية لقانون العقوبات فقضت "أن القانون الجنائي - على ما جرى به قضاء هذه المحكمة - وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد سواء فيما بينهم أو من خلال روابطهم مع مجتمعهم، إلا أن القانون الجنائي يفارقها في اتخاذ العقوبة أداة لتقويم ما يصدر عنهم من أفعال نهاهم عن إتيانها، وهو بذلك يتغيا أن يحدد - من منظور اجتماعي - ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، وأن يسيطر عليها بوسائل يكون قبولها اجتماعياً ممكناً، بما مؤداه أنه كلما كان الجزاء مقرراً لضرورة، ومفيداً من وجهة اجتماعية، ومتناسباً مع الأفعال التي أثمها المشرع أو منعها، متصاعدا مع خطورتها كان موافقاً للدستور.". حكم المحكمة الدستويرة العليا في القضية رقم 217 لسنة 31 قضائية دستورية بتاريخ 04 جانفي 2020 منشوربالجريدة الرسمية العدد2مكرر (أ) الصادر فى20يناير سنة2020.
([25]) فتوح عبد الله الشاذلي، شرح قانون العقوبات القسم العام، بدون رقم الطبعة، دار المطبوعات الجامعية، 1998، مصر، ص 12.
([30]) خلفي عبد الرحمان، القانون الجنائي العام دراسة مقارنة، الطبعة السادسة، دار بلقيس ، الجزائر، 2024، ص 26.
([34]) و تاكيدا لذلك قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بانه "لا يتصور وفقا لأحكام الدستور أن توجد جريمة في غيبة ركنها المادي، ولا إقامة الدليل على توافر علاقة السببية بين مادية الفعل المؤثم والنتائج التي أحدثها بعيدا عن حقيقة هذا الفعل ومحتواه، بما مؤداه أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته - تعتبر واقعة في منطقة التجريم، كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذا عليه قانونا. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيا في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة.". انظر: حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية الصادر في القضية رقم 156 لسنة 34 قضائية دستورية بتاريخ 02 نوفمبر 2019 منشور بالجريدة الرسمية العدد22مكرر (ه)الصادر في 05 نوفمبر 2019.
([35]) "غموض النصوص العقابية يعني انفلاتها من ضوابطها وتعدد تأويلاتها، فلا تكون الأفعال التي منعها المشرع أو طلبها محددة بصورة يقينية، بل شباكاً أو شراكاً يلقيها المشرع متصيداً باتساعها أو خفائها من يقعون تحتها أو يخطئون مواقعها". انظر: حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية الصادر بتاريخ 05 جويلية 1997 في القضية رقم 58 لسنة 18 قضائية دستورية منشور بالجريدة الرسمية العدد 29 بتاريخ 19 جويلية 1997.
([36]) "وحيث أن غموض النص العقابي يعني أن يكون مضمونه خافيا على أوساط الناس باختلافهم حول فحواه ومجال تطبيقه وحقيقة ما يرمي إليه، فلا يكون معرفا بطريقة قاطعة بالأفعال المنهي عن ارتكابها، بل مجهلا بها ومؤديا إلى إنبهامها. ومن ثم يكون إنفاذه مرتبطا بمعايير شخصية قد تخالطها الأهواء، وهي بعد معايير مرجعها إلى تقدير القائمين على تطبيقه لحقيقة محتواه وإحلال فهمهم الخاص لمقاصده محل مراميه التي غالبا ما يجاوزونها التواء بها أو تحريفا لها لينال من الأبرياء. وبوجه خاص فإن غموض النص العقابي يعوق محكمة الموضوع عن إعمال قواعد صارمة جازمة تحدد لكل جريمة أركانها وتقرر عقوبتها بما لا لبس فيه، وهي قواعد لا ترخص فيها وتمثل إطارا لعملها لا يجوز اقتحام حدوده. كذلك فإن غموض النص العقابي يحمل في ثناياه مخاطر اجتماعية لا ينبغي التهوين منها. ويقع ذلك لأن تطبيقه يكون انتقائيا منطويا على التحكم في أغلب الأحوال وأعمها، ولأن المواطنين الذين اختلط عليهم نطاق التجريم والتوت بهم مقاصد المشرع، يقعدون عادة - حذر العقوبة وتوقيا لها - عن مباشرة الأفعال التي داخلتهم شبهه تأثيمها. وإن كان القانون بمعناه العام يسوغها. بل إن الاتجاه المعاصر والمقارن في شأن النصوص العقابية يؤكد أن الأضرار المترتبة على غموضها، لا تكمن في مجرد التجهيل بالأفعال المنهي عنها، بل تعود - في تطبيقاتها - إلى عنصر أكثر خطرا وأبرز أثرا، يتمثل في افتقارها إلى الحد الأدنى من الأسس اللازمة لضبطها والتي تحول كأصل عام بين القائمين على تنفيذها وإطلاق العنان لنزواتهم أو سوء تقديراتهم". انظر: حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية الصادر بتاريخ 05 جويلية 1997 في القضية رقم 58 لسنة 18 قضائية دستورية منشور بالجريدة الرسمية العدد 29 بتاريخ 19 جويلية 1997.
([37]) "أن شرعية الجزاء - جنائيا کان أم مدنيا أم تأديبيا - مناطها أن يکون متناسبا مع الأفعال التي أثمها المشرع، أو حظرها أو قيد مباشرتها. فالأصل في العقوبة هو معقوليتها، فکلما کان الجزاء الجنائي بغيضا أو عاتيا، أو کان متصلا بأفعال لا يجوز تجريمها، أو مجافيا بصورة ظاهرة للحدود التي يکون معها متناسبا مع خطورة الأفعال التي نظمها المشرع، فإنه يفقد مبررات وجوده، ويصبح تقييدا للحرية". انظر: حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية الصادر بتاريخ 06جوان 2001 في القضية رقم 114 لسنة 21 قضائية دستورية منشور بالجريدة الرسمية العدد 24 بتاريخ 14 جوان 2001.
([39]) محمود نجيب حسني، شرح قانون العقوبات القسم العام ( النظرية العامة للجريمة و النظرية العامة للعقوبة و التدبير الاحترازي)، المرجع السابق، ص 5.
([40]) القانون الخاص يختص بتنظيم علاقات الافراد فيما بينها و تحديد حقوقهم و واجباتهم و أهم فروع القانون الخاص هو القانون المدني الذي ينظم الإلتزاماات و العقود و القنون التجاري الذي ينظم العلاقات التجارية و قانون الاسرة الذي ينظم احكام الزواج و الطلاق و الارث من غيرها من مسائل الاحوال الشخصية، و أما القانون العام فيختص بتحديد دور الدولة و المؤسسات العامة و علاقة الأفراد بها كما يرسم حدود الحريات العامة و طرق ممارستها، و أهم فروع القانون العام هو القانون الدستوري و القانون الإداري و القنون الجبائي الخ..... انظر: احسن بوسقية، المرجع السابق، ص 14.
([42]) يسر أنور علي، القاعدة الجنائية دراسة في الأصول العامة للقانون الجنائي، بدون رقم الطبعة، دار النهضة العربية، القاهرة، 1969، ص 23.
([49]) محمود محمود مصطفى، شرح قانون العقوبات (القسم العام)، الطبعة الخامسة، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، 1961، ص 5.
([57]) و هذا هو التعريف القنوني للجريمة و وهو وحده التعريف الذي تدور عليه دراسات قانون العقوبات بل و دراسات العلوم الجنائية بصفة عامة، بعد أن فشلت سائر المحاولات التي سعت الى وضع تعيرف عام و عالمي للجريمة استنادا الى فكرة الجريمة الطبيعية delit naturel التي قال بها Garofaro يقصد بها الجريمة التي تعارفت عليها كافة المجتمعات المتمدينة على تجريمها و على فرض الجزائ الجنائي على مرتكبيها، و يرجع اساس الفكرة الى ان المجتمعات الانساسية حينما تتجاوز المرحلة البدائية في تطورها تتواضع على قدر معين من المشاعر الانساسية قوامها " الشعور بالغيرة او بالتعاطف نحو الاخرين" كنتيجة طبيعية لقبول افراد المجتمع الانضمام في معيشة واحدة و بالتالي فان المجتمعات الانساينة المتمدينة جميعا يتوفر لدى افرادها قدرا ادنى متماثلا تقريبا من هذه المشاعر الغيرية، و لان الجريمة فعل يضضر بكل مجتمع لانها تتعارض مع المشاعر الغيرية السائدة فيه فان هناك اذن ما يمكن تسميته بالجريمة الطبيعية التي تتعارف عليها كل المجتمعات.
انظر: محمد زكي ابو عامر، المرجع السابق، ص 35.
([60]) عبد الفتاح مصطفى الصيفي، القاعدة الجنائية، بدون رقم الطبعة، الشركة الشرقية للنشر و التوزيع، لبنان، 1959، ص 83.
([65]) عبد الله سليمان، شرح قانون العقوبات الجزائري، الجزء الاول الجريمة، الطبعة الثامنة، ديوان المطبوعات الجامعية،الجزائر، 2016، ص59 .
([69]) حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية رقم 156 لسنة 34 قضائية دستورية بتاريخ 02 نوفمبر 2019 منشوربالجريدة الرسمية العدد44 مكرر (ه) الصادرة 05 نوفمبر 2019.
([74]) "وحيث إن من المقرر أن الأصل في الجرائم، أنها تعكس تكوينا مركبا باعتبار أن قوامها تزامنا بين يد اتصل الإثم بعملها، وعقل واع خالطها ليهيمن عليها محددا خطاها، متوجها إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، ليكون القصد الجنائي ركنا معنويا في الجريمة مُكملاً لركنها المادي، ومتلائما مع الشخصية الفردية في ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هي التي تتطلبها الأمم المتحضرة في مناهجها في مجال التجريم بوصفها ركنا في الجريمة، وأصلا ثابتا كامنا في طبيعتها، وليس أمراً فجاً أو دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها. ذلك أن حرية الإرادة تعنى حرية الاختيار بين الخير والشر. ولكلٍ وجهة هو مُوَلِّيها، لتنحل الجريمة - في معناها - إلى علاقة ما بين العقوبة التي تفرضها الدولة بتشريعاتها، والإرادة التي تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التي يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها، بديلا عن الانتقام والثأر المحض من صاحبها. وغدا أمرا ثابتا - وكأصل عام - ألا يجرم الفعل ما لم يكن إراديا قائما على الاختيار الحر، ومن ثم مقصودا. ولئن جاز القول بأن تحديد مضمون تلك الإرادة وقوفا على ماهيتها، لازال أمرا عسراً، إلا أن معناها - وبوصفها ركنا معنويا في الجريمة - يدور بوجه عام حول النوايا الإجرامية أو الجانحة أو النوازع الشريرة المدبرة أو تلك التي يكون الخداع قوامها أو التي تتمحض عن علم بالتأثيم، مقترناً بقصد اقتحام حدوده، لتدل جميعها علي إرادة إتيان فعل بغياً". حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية رقم 156 لسنة 34 قضائية دستورية بتاريخ 02 نوفمبر 2019 منشوربالجريدة الرسمية العدد44 مكرر (ه) الصادرة 05 نوفمبر 2019.
([81]) و تسمى هذه الطائفة من الجرائم بـ "الجرائم الشكلية" او "جرائم الخطر" délit de mise en danger و هي التي يكتفي فيها المشرع بان يرتب على السلوك الاجرامي خطرا على الحق او المصلحة محل الحماية الجنائية دون استلزام الاضرار الفعلي و تمثل هذا الخطر في التهديد بالضرر، اما الجرائم التي يسترط فيها المشرع ان يحقق الجاني بسلوكه الاجرامي ضررا على الحق فيطلق عليها تعبير جرائم الضرر délit de lésion . لمزيد من التفصيل انظر احمد شوقي عمر او خطوة، جرائم التعريض للخطر العام، بدون رقم الطبعة، دار النهظة العربية، مصر، 1999، ص 7 .
([96]) رمسيس بهنام، الاتجاه الجديد في نظرية الفعل والفاعل والمسؤولية، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، السنة التاسعة، العدد الثالث والرابع، مطبعة جامعة الإسكنـدرية، مصر، 1959، ص 60.
([97]) رمسيس بهنام، الاتجاه الجديد في نظرية الفعل والفاعل والمسؤولية، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، السنة التاسعة، العدد الثالث والرابع، مطبعة جامعة الإسكنـدرية، مصر، 1959، ص 60.
([98]) عبد المنعم محمد ابراهيم رضوان، موضع الضرر في البنيان القانوني للجريمة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، مصر، 1993، ص 99.
([103]) تنص المادة 51 مكرر من قانون العقوبات: (القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004) باستثناء الدولة والجماعات المحلية والأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام، يكون الشخص المعنوي مسؤولا جزائيا عن الجرائم التي ترتكب لحسابه من طرف أجهزته أو ممثليه الشرعيين عندما ينص القانون على ذلك.
إن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي لا تمنع مساءلة الشخص الطبيعي كفاعل أصلي أو كشريك في نفس الأفعال".
([110]) عبد الفتاح الصيفي، القاعدة الجنائية، بدون رقم الطبعة، الشركة الشرقية للنشر و التوزيع، بيروت، 1959 ، ص 238.
([111]) عبد الفتاح الصيفي، القاعدة الجنائية، بدون رقم الطبعة، الشركة الشرقية للنشر و التوزيع، بيروت، 1959 ، ص 238.
([112]) عبد الفتاح الصيفي، القاعدة الجنائية، بدون رقم الطبعة، الشركة الشرقية للنشر و التوزيع، بيروت، 1959 ، ص 239.
([113]) عبد الفتاح الصيفي، القاعدة الجنائية، بدون رقم الطبعة، الشركة الشرقية للنشر و التوزيع، بيروت، 1959 ، ص 239.
([114]) محمود نجيب حسني، المرجع السابق، ص ص 51،52 .
من الفقهاء من يرد اركان الرجيمة الى خمسة و هي الاهلية و الشرعية و السبب و الارادة و الشكل، و منهم من يرجها الى اربعة اركان و هي: السلوك و مطابقة هذا السلوك للانموذج القانوني الذي تتضمنه قاعدة جنائية مجرمة، و تخلف روجود سبب من اسباب تبرير الجريمة، و توافر الركن المعنوي الذي يتحصل في امكتنية اسناد الفعل الى الجاني او يردها الى اربعة اركان اخرى و هي: ارادة مجرمة، و سلوك اجرامي، و نتيجة تخالف القانون، و رابطة سببية تربط بين اللسوك و النتيجة المخالفة للقانون، او الى اربعة اركان غيرها و هي الركن الشرعي و الركن المادي و الركن المعنوي، و ركن البغي او الظلم و يقصد من وراء هذا الركن ان يشترط لقيام الجريمة الا يكون الفعل المكون لها قد ارتكب استعمالا لحق او اداء لواجب أي الا تكون الجريمة مبررة. لمزيد من التفصيل انظر: عبد الفتاح الصيفي، القاعدة الجنائية، بدون رقم الطبعة، الشركة الشرقية للنشر و التوزيع، بيروت، 1959 ، ص 239.
([117]) سليمان عبد المنعم، تراجع مبدأ مادية الجريمة: دراسة نقدية في نصوص التشريع وأحكام القضاء ، بدون رقم الطبعة، دار المطبوعات الجامعية مصر، 2015 ، ص 109.
([125]) عبد العضيم مرسي وزير، الشروط المفترضة في الجريمة –دراسة تحليلية- بدون رقم الطبعة، دار النهظة العربية، مصر، 1983، ص 76.
([154]) عادل عازر، النظرية العامة في ظروف الجريمة، بدون رقم الطبعة، المطبعة العالمية، مصر، 1966، ص 139.
([157]) جاء في قرار المحكمة العليا الصادر عن الغرفة الجنائية بتاريخ 29-04-2003 تحت رقم 303401 المجلة القاضئية، 2003 عدد 01 ص 386 و ما بعدها " و حيث انه و لمعرفة تطبيق الظرف المشدد على الشريك او عدمه يتعين ان يدرس هذا الظرف هل هو شخصي او موضوعي؟ فاذا تبين انه شخصي يتعلق بالفاعل وحده وجب عدم تطبيقه على الشريك اما اذا تبين انه موضوعي فان العقوبة تكون مماثلة لكل منهما شرط أن يكون الشريك على علم بهذا الظرف الاخر فيها و منها على سبيل المثال صفة الفاعل كونه من اصول الضحية التي وقع عليها الفعل المخل بالحياء او ممن لهم سلطة عليها كمعلمها فاذ كان هناك شريك في ارتكاب هذا الفعل لا يعاقب الا بالعقوبة المقررة للفعل المجرد دون ظرف التشديد حتى و لو كان يعلم بهذا الظرف الشخصي الذي يخص الفاعل وحده اما الظرف الموضوعي فهو لصيق بالجريمة ذاتها و مثاله تسليم سلاح للفاعل لاجل استعماله في جريمة السرقة، الفعقوبة المشددة في هذه الجريمة بالنسبة لكل من الفاعل و الشريك ما دام هذا الاخير كان يعلم بان السلاح سوف يستعمل في تلك الجريمة .
و حيث ان ظرف سبق الاصرار و الترصد شخصيان يخصان الفاعل الاصلي وحده فان معقابة الشريك بهما يشكل خطأ في تطبيق القانون".
([159]) تقابلها المادة 111 مكرر 1 من قانون العقوبات الفرنسي:
Article 111-1
"Les infractions pénales sont classées, suivant leur gravité, en crimes, délits et contraventions."
([160]) ما يلاحظ على التعديلات الواردة بقانون العقوبات بخصوص نص المادة 05 ان رفع المشرع من الحد الاقصى للعقوبة المقررة للجنح الى 30 سنة بدلا من 20 سنة بموجب قانون رقم 21- 14 مؤرخ في 28 ديسمبر سنة 2021 يعدل و يتمم اﻷمر 156 - 66 المؤرخ في 8 يونيو سنة 1966 و المتضمن قانون العقوبات، (الجريدة الرسمية عدد 99 مؤرخة في 29 ديسمبر 2021)، و ترجع دواعي ذلك لصدور القانون رقم 21-15 مؤرخ في 28 ديسمبر سنة 2021، يتعلق بمكافحة المضاربة غير المشروعة (الرسمية عدد 99 مؤرخة في 29 ديسمبر 2021)، و المؤرخ في نفس التاريخ و نفس العدد من الجريدة الرسمية، و الذي ورد في نص المادة 14 منه على جعل عقوبة الحبس المؤقت بين 20 سنة و 30 سنة و ذلك منعا من التعارض بين نص المادة 05 من قانون العقوبات في صياغتها القديمة و الذي يعتبر قاعدة عامة في تحديد نوع و مقدار العقوبات الأصلية في الجنح و بين العقوبات التي جاء بالقانون 21-15 ثم توالت القوانين المكلمة لترفع ايضا من مقدار العقاب الى ما يجاوز 20 سنة كما تقرره المادة 17 من القانون 04-18 المتعلق بالوقاية من المخدرات و المؤثرات العقلية و قمع الاستعمال و الاتجار غير المشروعين بهما، رغم عدم وجد أي مبرر لتعديل الصياغة لان نص المادة 05 من قانون العقوبات في عبارة " ما عدا الحالات التي يقر فيها القانون حدودا اخرى قصوى" كافية لاستيعاب العقوبات القصوى التي ودرت بالقوانين الخاصة على نحو ينفي أي تعارض بينهما. لمزيد من التفصيل انظر :خلفي عبد الرحمان، المرجع السابق، ص 66.
"كل محاولات لارتكاب جناية تبتدئ بالشروع في التنفيذ أو بأفعال لا لبس فيها تؤدي مباشرة إلى إرتكابها تعتبر كالجناية نفسها إذا لم توقف أو لم يخب أثرها إلا نتيجة لظروف مستقلة عن إرادة مرتكبها حتى و لو لم يمكن بلوغ الهدف المقصود بسبب ظرف مادي يجهله مرتكبها".
"المحاولة في الجنحة لا يعاقب عليها إلا بناء على نص صريح في القانون.
والمحاولة في المخالفة لا يعاقب عليها إطلاقا".
([165]) على سبيل المثال المواد: 303 مكرر1، 303 مكرر13، 303 مكرر27، 303 مكرر39، 303 مكر39، 346، 347، 350، 351 و غريها من مواد قانون العقوبات.
([166]) قانون الوقاية من الفساد و مكافحته في نص المادة 52-2 منه، و الامر 25 من الامر المتعلق بمكافحة التهريب، و المادة 17 من الاقنون المتعلق بالوقاية من المخدرات و المؤثرات العقلية و قمع الاستعمال و الاتجار غير المشرعين بهما و المادة 31 من الامر المتعلق بالوقاية من عصابات الاحياء و مكافحتها و المادة 39 من قانون الوقاية من التمييز و خطاب الكراهية و مكافحتهما.
([174]) مأمون محمد سلامة، المرجع السابق، ص 104.
و يخالفه في رايه هذا الفقيه محمود نجيب حسني الذي يرى انه ليس من الصواب القول بان القانون يعتد بالخطورة الموضوعية للجريمة دون خطورتها الشخصية، ذلك ان القانون في تقسيمه الجرائم -حسب جسامتها- قد نظر الى الجريمة من كل جوانبها، و اعتد بجميع الاعتبارات التي تحدد قدرا معينا من الخطورة، و لا جدال في أنّ الجانب الشخصي للجريمة لا يقل اهمية في نظر الشارع عن جانبها المادي باعتباره يحدد جسامة الجريمة، و الدليل على ذلك أنّ القانون قد يعتبر جريمة عمدية جناية، إذا كانت هي نفسها غير عمدية اعتبرها جنحة مثل جريمة القتل، مع انه لا فارق بين نوعيه من حيث مادياتها، و انما ينحصر الفرق بينهما في معنوايتهما، و هي عناصر شخصية. لمزيد من التفصيل انظر: محمودج نجيب حسني، المرجع السابق، ص66.
([176]) هناك اعذار معفية من العقاب مثل:
- عذر عدم الاهلية: كالمجنون (م 47 ق ع ) و القاصر الذي يتراوح سنه بين 10 الى 13 سنة ( م 49 ق ع ).
- عذر حسن النية: فلا عقوبة على من تسلم نقودا معدنية أو أوراقا نقدية مقلدة أو مزورة أو مزيفة أو ملونة وهو يعتقد أنها صحيحة وطرحها للتداول وهو يجهل ما يعيبها ( م 201 ق ع )، - عذر الظرورة الشرعية: فلا عقوبة على من اضطرته إلى إرتكاب الجريمة قوة لا قبل له بدفعها (م 48 ق ع ) و يستفيد مرتكب الجرح والضرب من الأعذار المعفية إذا ارتكبهما ضد شخص بالغ يفاجأ في حالة تلبس بهتك عرض قاصر لم يكمل السادسة عشرة سواء بالعنف أو بغير عنف. ( م 281 ق ع)، لا عقوبة على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة إنقاذ حياة الأم من الخطر متى أجراه طبيب أو جراح في غير خفاء وبعد إبلاغه السلطة الإدارية.(م 308 ق ع).
- عذر التبليغ : يعفى من العقوبة المقررة كل من يبلغ السلطات الإدارية أو القضائية عن جناية أو جنحة ضد أمن الدولة قبل البدء في تنفيذها أو الشروع فيها، يستفيد من العذر المعفي وفقا للشروط المقررة في المادة 52 من يقوم من الجناة بالكشف للسلطات عن الإتفاق الذي تم أو عن وجود الجمعية وذلك قبل أي شروع في الجناية موضوع الجمعية أو الإتفاق وقبل البدء في التحقيق.(م 179 ق ع)، إذا أخبر أحد مرتكبي الجنايات المبينة في المادتين السابقتين السلطات أو كشف لها عن شخصية الجناة قبل إتمام هذه الجنايات وقبل بدء أي إجراء من إجراءات التحقيق فيها أو سهل القبض على الجناة الآخرين حتى بعد بدء التحقيق فإنه يستفيد من العذر المعفى بالشروط المنصوص عليها في المادة 52.( م 199 ق ع) ... الخ.
عذر القرابة: لا يعاقب على السرقات التي ترتكب من الأشخاص المبينين فيما بعد ولا تخول إلا الحق في التعويض المدني: الأصول إضرارا بأولادهم أو غيرهم من الفروع؛ الفروع إضرارا بأصولهم، أحد الزوجين إضرارا بالزوج الآخر. ( م 368 ق ع). تطبق الإعفاءات والقيود الخاصة بمباشرة الدعوى العمومية المقررة بالمادتين 368 و369 على جنحة الإخفاء المنصوص عليها في المادة 387. (م 389 ق ع) .. الخ
عذر التوبة: يعفى من العقوبة المقررة كل من يبلغ السلطات الإدارية أو القضائية عن جناية أو جنحة ضد أمن الدولة قبل البدء في تنفيذها أو الشروع فيها. (م 92 ق ع ) ..الخ.
([177]) تنص المادة 277 من ق ع "يستفيد مرتكب جرائم القتل والجرح والضرب من الأعذار إذا دفعه إلى ارتكابها وقوع ضرب شديد من أحد الأشخاص".
([178]) تنص المادة 278 من ق ع "يستفيد مرتكب جرائم القتل والجرح والضرب من الأعذار إذا ارتكبها لدفع تسلق أو ثقب أسوار أو حيطان أو تحطيم مداخل المنازل أو الأماكن المسكونة أو ملحقاتها إذا حدث ذلك أثناء النهار".
([179]) تنص المادة 279 ق ع "يستفيد مرتكب القتل والجرح والضرب من الأعذار إذا ارتكبها أحد الزوجين على الزوج الآخر أو على شريكه في اللحظة التي يفاجئه فيها في حالة تلبس بالزنا."
([181]) السعيد مصطفى السعيد، الاحكام العامة في قانون العقوبات، الطبعة الثالثة، دار المعارف، 1957، مصر، ص 77.
([182]) السعيد مصطفى السعيد، الاحكام العامة في قانون العقوبات، الطبعة الثالثة، دار المعارف، 1957، مصر، ص 78.
([183]) و مع ذلك وجب التنويه الى ان المشرع لم يتقيد بهذه القاعدة في بعض مواد قانون العقوبات حيث استعمل مصطلح "السجن" في غير محله في المادة 73 (يعاقب بالسجن من سنة الى 5 سنوات) و في المادة 74 ( يعاقب بالحبس من 5 الى 10 سنوات) و في المادة 377 مكرر فقرة 06 (يعاقب بالسجن من سنتين الى خمسة سنوات) و في المادتين 800و 840 من الاقنون التجاري ( يعقاب بالسجن من 1 الى 5 سنوات) و المصطلح الصحيح هو " الحبس" و ليس " السجن". انظر: احسن بوسقيعة، المرجع السابق، ص 32.
([192]) فوزية عبد الستار،عدم المشروعية في القانون الجنائي، مجلة القانون والاقتصاد، عدد و 4، س41 ، القاهرة، كلية الحقوق جامعة القاهرة ،مصر، 1972 ، ص 461
([193]) فوزية عبد الستار،عدم المشروعية في القانون الجنائي، مجلة القانون والاقتصاد، عدد و 4، س41 ، القاهرة، كلية الحقوق جامعة القاهرة ،مصر، 1972 ، ص 461
([194]) ان التقسيم الثلاثي لأركان الجريمة و ان بدا سائغا من الناحية "التعليمية" لانه يوجد مكانا مقبولا لدراسة أسباب الاباحة بين اركان الجريمة، إلا أنه من الناحية "المنطقية- القانونية" لا يمكن قبوله، ذلك أن عيبه الاكبر انه يعتبر" مخالفة الفعل لنص التجريم " ركنا من أركان الجريمة، بينما هذه المخالفة لا تعدو أن تخلع "صفة" على الفعل (هي صفته غير المشروعة في قانون العقوبات) و هذه الصفة هي الخصيصة المميزة للسلوك الإجرامي عن سائر أنواع السلوك الاجتماعي. ان مخالفة الفعل لنص من نصوص التجريم "يخلق" الجريمة في القانون، فكيف يعتبر – منطقيا- الخلق شقا من المخلوق؟ الوقاع اننا اذا تاملنا ذلك الركن الشرعي (و الاصح ان يقال الركن غير الشرعي) لوجدنا انه لا يعدو ان يكون مجرد "حكم" على فعل من الافعال فاذا اعتبرناه "ركنا" في الجريمة لكان معنى ذلك اننا نعتبر "الفعل" ركنا و "الحكم" عليه في القانون ركنا اخر، و كاننا بهذا الشكل نجمه بين "حقائق طبيعية" قائمة في وقاع الاشياء و "حقائق تصورية و مجازية" لا تقوم الا في المخيلة القانونية وللحظة خاطفة من الزمان، اننا اذا قلنا "ركنا" في الجريمة عنينا شيئا يمكن افراده، و تمييزه و عزله عن سائر الأركان، فكيف يمكن أن نعزل "الفعل" عن صفته في القانون و كيف يمكن أن نعزل"الخطأ" عن وصفه الآثم في القانون؟ ان الركن غير الشرعي لا يقوم ركنا ثالثا في الجرائم يظاف الى الفعل و الخطا، انه صفة في كل منهما ملازم لودوده و هذا التلازم يجعل من غير المقبول في المنطق و القانون التسليم بأنه ركن في الجريمة.
انظر: جلال ثروت، نظم القسم العام في قانون العقوبات، بدون رقم الطبعة، دار الهدى للمطبوعات، مصر، 1999، ص 138.
([201]) امر رقم 66-156 مؤرخ في 18 صفر 1386 الموافق ل 8 يونيو سنة 1966 المتضمن قانون العقوبات الجريدة الرسمية عدد 49 و المعدل و المتمم لا سيما بالقانون 24-06 المؤرخ في 28 ابريل 2024 الجريدة الرسمية عدد 30.
([205]) انظر المرسوم الرئاسي رقم 20-442 المؤرخ في 30 ديسمبر 2020 يتعلق باصدار التعديل الدستوري المصادق عليه في استفتاء اول نوفمبر 2020 الجريدة الرسمية عدد 82.
([207]) بالنسبة لمصلحة الفرد: يعد هذا المبدا السياج الحقيق لحماية الحقوق و الحريات الفردية فلا يملك القضاي متابعة شخص بافعال لم يجرمها القانونو لم يقرر لها عقوبات غير تلك التي حددتها النصوص، بل لا يمكنه حتى الامر بتدبير من تدابير الامن لم يتمضنه النص و في هذا الصدد يوقل الفقيه الايطالي بيكاريا" ان القاضي مقيد بنصوص القانون المراد تطبيقها و لا يملك ادنى حرية امام القاعدة المكتوبة، بل هو مجرد بوق يردد كلمة القانون.
بالنسبة لمصلحة الجماعة: يحقق مبدا الشرعية الجنائية المسواة بين افراد المجتمع و عدم التمييز بينهم على اساس طائفي او طبقي من حيث التجريم و العقاب كما يساهم في علة مبدا سيادة القانون، فلا تقوم اي سلطة باغتصاب سلطة اخرى و في ذلك تايكدي للفصل بين السلطات، زيادة على الدور الوقائي دلك انه ينذر الفاراد مسبقا بالفعال المجرمة على نحو يدفع الفرد الى تفادي الوقوع في الحريمة. انظر: خلفي عبد الرحمان، المرجع السابق، ص 151 .
([212]) فريد روابح، الوجيز في القانون الجنائي العام، بدون رقم الطبعة، النشر الجامعي الجديد، الجزائر، 2022، ص ص 131-132 .
([231]) باسم عبد الزمان مجيد الربيعي، نظرية البنيان القانني للنص العقابي، اطروحة دكتوراه، كلية القانون بجامعة بغداد، العراق، 2000، ص 77.
([232]) باسم عبد الزمان مجيد الربيعي، نظرية البنيان القانني للنص العقابي، اطروحة دكتوراه، كلية القانون بجامعة بغداد، العراق، 2000، ص 77.
([262]) ولا تختلط الجرائم المستمرة او المتمادية بالمعنى الدقيق بالجرائم الوقتية ذات الاثر المستمر، فالاولى يلحق الاستمرار فيها كل من الركنين المادي و المعنوي معا اذ يتطلب استمرار السلوك تدخل ارادي متجدد للمحافظة على مخالفة الاقنون اطول فترة ممكنة، بينما الثانية يقتصر الاستمرار فيها على الركن المادي دون حاجة لتدخل ارادي متجدد من قبل الجاني كرجيمة اقامة بناء بدون ترخيص. انظر: سليمان عبد المنعم، النظرية العامة لقانون العقوبات، المرجع السابق، ص 183.
([276]) "لما كان الأصل عملاً بالمادة 19 من الإعلان الدستورى والفقرة الأولى من المادة الخامسة من قانون العقوبات أنه لا تسرى أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها ، ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها ، وأن مبدأ عدم جواز رجعية الأحكام الموضوعية لنصوص القوانين الجنائية مستمدة من قاعدة شرعية الجريمة والعقاب التى تستلزم أن تقتصر على عقاب الجرائم بمقتضى القانون المعمول به وقت ارتكابها، فإنه يخرج عن هذا النطاق القانون الأصلح للمتهم وهو ما قننته الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون العقوبات ، وكان من المقرر أن القانون الأصلح للمتهم هو الذى ينشئ له من الناحية الموضوعية لا الإجرائية مركزاً أو وضعاً يكون أصلح له من القانون القديم بأن يلغى الجريمة المسندة إليه أو بعض عقوباتها أو يخفضها أو يقرر وجهاً للإعفاء من المسئولية الجنائية أو يلغى ركناً من أركان الجريمة ، فيكون من حق المتهم فى هذه الحالات واستمداداً من دلالة تغيير سياسة التجريم والعقاب إلى التخفيف أن يستفيد لصالحه من تلك النصوص الجديدة من تاريخ صدورها" نقض 24 نوفمبر 2002 الطعن رقم 15094 لسنة 63 ق مشار اليه لدى احمد فتحي سرور، المرجع السابق، ص155.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق