الدكتور لهوى رابح
محامٍ معتمد لدى المحكمة العليا ومجلس الدولة
العنوان: شارع النصر، رقم 171، العلمة، ولاية سطيف
الهاتف: 0555.86.27.55
✉ البريد الإلكتروني lahouarabeh@gmail.com
المحاضرة الرابعة
التعريف بالجريمة و تحليلها القانوني
تمهيد:
أولا- تعريف الجريمة:
لم تعنى غالبية التشريعات بايراد تعريف للجريمة تاركة بذلك هذه المهمة للفقه، و يؤيد البعض هذا التوجه التشريعي خشية ان يجيء تعريف المشرع للجريمة مشوبا بالقصور او عدم الشمول، فضلا على أنّ هذا التعريف لن يكون له فائدة كبيرة من الناحية القانونية بعد ان حدد المشرع الجرائم كافة و بين اركانها و قدر عقوبتها الامر الذي يعدو معه ايراد تعريف عام للجريمة بلا جدوى([1]).
و عموما فان هناك اتجاهين اساسين في تعريف الجريمة الاول شكلي و الثاني موضوعي ([2])، بينا يرى بعض الفقه انه يتازع في تعريف الجريمة اتجاهان احدهما مادي و الاخر شخصي، و يهتم الاتجاه المادي بالفعل المادي اما الاتجاه الشخصي فانه يقيس الجريمة بالنظر الى الارادة الاثمة لمرتكبها و مدى خطرتها صاحبها على المجتمع([3]).
الاتجاه الشكلي يجعل مناط التعريف هو العلاقة الشكلية بين الجريمة و قانون العقوبات، فالجريمة من الناحية الشكلية أو في عبارة اخرى من "الناحية القانونية" فالجريمة هي "الواقعة التي ترتكب بالمخالفة لقواعد ذلك القانون و يترتب عليها عقوبة جنائية" ([4])، أي هي" كل عمل او امتناع عن عمل يحضره القانون و يقرر عقوبة لمرتكبه" ([5]).
و قد انتقد هدا التوجه في تعريف الجريمة لانه يهمل جوهر الجريمة و لا يمنحه أيّ قيمة قانونية، و انما يبرز فقط العلاقة الشكلية بين الواقعة المرتكبة و بين النص التجريمي. بينما الجريمة في حقيقتها واقعة تنطوي على ضرر أو تهديد بالضرر لمصلحة حماها المشرع الجنائي بقواعده([6])، كما انتقد هذا التعريف لكونه تعريف للجريمة باثرها – أي العقاب الذي يقرره الشارع لها- و ليس بعناصرها التي تقوم عليها([7]).
و لهذا فان الجانب الشكلي وحده لا يكفي لتعريف الجريمة و اعطاء فكرة واضحة عن جوهرها، فاذا قصرنا تعريف الجريمة على انها فعل يخالف قاعدة جنائية رتب له المشرع عقوبة جنائية، فاننا لا نكون بذلك قد اوضحنا المُعرف و لا نعدو ان نكون قد كررناه، لهذا فان في اضافة الجانب الجوهري لتعريف الجريمة ما يساعد على ادراك حقيقة الجريمة([8]).
في حين يركز الاتجاه الموضوعي على جوهر الجريمة باعتبارها واقعة ضارة بالمصالح الاساسية للمجتمع و التي يقوم عليها امنه و كيانه، و بالتالي فان الجريمة وفقا لهذا الاتجاه هي "الواقعة الضارة بكيان المجتمع و امنه"([9])، أو هي "عدوان على مصلحة من المصالح التي عليها يؤسس المجتمع في زمن معين بقاءه و استقراره و بها يسير نحو رقيه و كماله" ([10]).
و هو توجه لم يسلم من النقد، فان هو تمكن من ابراز جوهر الجريمة كواقعة ضارة بامن المجتمع و كيانه، الا انه لا يصلح لدراسة الجريمة كنظام قانوني، فلا يكفي لاعتبار واقعة ما جريمة ان تحتوي على مقومات الاضرار بمصالح اجتماعية لازمة لامن الجماعة، و انما يستلزم ان تكون نلك المصالح قد اخذت بعين الاعتبار من قبل السلطة المنوط بها تقييم الافعال الضارة بالمجتمع اي السلطة المختصة بالتشريع، و من اجل ذلك نجد أن هناك افعالا ضارة بمصالح اجتماعية معينة دون ان ترقى إلى مصاف التجريم لان المشرع لم يرها جديرة بالحماية الجزائية. و ما يترتب عليها من عقوبة جزائية، و لذلك فان الاتجاه الموضوعي يصلح فقط لاظهار الباعث على التجريم و لا يصلح لبيان التكوين القانوني للجريمة([11]).
و في راي بعض الفقه ان تعريف الجريمة يجب ان يؤخذ فيه الجانب الشكلي و الموضوعي معا فهناك من الافعال ما يكون متعارضا من الناحية الشكلية مع القواعد التجريمة و مع ذلك لا تكون جريمة باعتبار انها لم تضر بالمصلحة المحمية بنصوص قانون العقوبات، فالذي يمس بسلامة جسم شخص آخر اثناء ممارسة الالعاب الرياضية يحقق من الناحية الشكلية السلوك المجرم بنصوص قانون العقوبات المتعلقة بالضرب، بينما الامر ليس كذلك طالما كان في اطار قواعد اللعبة، كما أنّ الشخص الذي يقتل غيره دفاعا عن النفس، فعل يحقق من الناحية الشكليّة جريمة القتل المنصوص عليها بالمادة 354 ق ع بينما لا يشكل فعله جريمة لانه لم يضر بالمصلحة التي حماها المشرع في تلك النصوص([12]).
و في باب المفاضلة بين الاتجاهين السابقين يرى الفقه ان الاختلاف بينهما ظاهري، و يرجح التعريف الذي يجمع بينهما بكون الجريمة هي كل سلوك يمكن اسناده الى فاعله يضر او يهدد بالخطر مصلحة اجتماعية محمية بجزاء جنائي([13])، ووقاع الامر ان الجريمة لا تقوم بغير فعل مادي و ارادة اثمة ، فلا تقوم الجريمة بغيرهما معا فالجريمة ليس محض فعل مادي مخالف للقانون، او ارادة اثمة ضد القانون، و انما هي تجمع بين الاثنين و لا قيام لها بدونهما([14]) فالتعريف الشامل ما اجتمعت فيه عناصر الجريمة من نص تجريمي و سلوك محضور وفقا لهذا النص و ارادة اثمة قامت في حق من يمكن اسناد الفعل اليه.
ثانيا- عناصر التعريف:
1- تفترض الجريمة ارتكاب فعل يتمثل في الجانب المادي لها:
فهي من ناحية اولى سلوك، لانها لا تقوم قانونا دون ارتكاب فعل مادي و هو ما يعبر عنه اصطلاحا بمبدأ مادية الجريمة la matérialite de l'infraction pénale فلكي تقوم الجريمة قانونا لا بد من ارتكاب قدر من السلوك المادي([15])، و نعني بالفعل اللسوك الاجرامي ايا كانت صورته، و على هذا النحو يتخذ الفعل مدلولا اصطلاحيا واسعا، يشمل النشاط الايجابي كما يتسع للامتناع، و مثال النشاط الايجابي تحريك الجاني يده لاخلاس مال الغير او تحريك لسانه للنطق بعبارات تعد قذفا، و مثال الامتناع احجام القاضي عن الحكم في دعوى طرحت عليه او احجام الام عن ارضاع وليدها ([16]).
ولازم ذلك أن كل مظاهر التعبير عن الإرادة البشرية - وليس النوايا التي يضمرها الإنسان في أعماق ذاته - تعتبر واقعة في منطقة التجريم كلما كانت تعكس سلوكا خارجيا مؤاخذا عليه قانونا. فإذا كان الأمر غير متعلق بأفعال أحدثتها إرادة مرتكبها، وتم التعبير عنها خارجيا في صورة مادية لا تخطئها العين، فليس ثمة جريمة([17]) و لو اجهر الراغب في ارتكاب الجريمة نوازعه متى تجردت نواياه من كل سلوك يمكن نعته بالمادية([18]).
2- تفترض الجريمة ان الفعل غير مشروع طبقا لقانون العقوبات:
لا قتوم الجريمة بفعل غير مشروع، و لانعدام المشروعية - طبقا للقنون الجنائي - القواعد الخاصة التي تحدده و هي لا تتفق حتما مع القواعد غير الجنائية مما يؤدي الى اختلاف التكييف القانوني للفعل في القانون الجنائي عنه في قانون اخر. فالفعل المشروع طبقا للقانون الجنائي لا تقوم به جريمة و لو كان غير مشروع طبقا لقانون اخر، و يوصف الفعل بانه غير مشروع اذا تضمن القانون نصا يجرمه و لم يكن في الظروف التي ارتكب فيها خاضعا لسبب من اسباب الاباحة ([19]).
3- تفترض الجريمة صدور الفعل غير المشروع عن "ارادة جنائية":
سبق و ان اشرنا الى ان الجريمة سلوك انساني فهي اذن صادرة عن انسان فلا يتصور وقوع جريمة من غير انسان أو من الشخص المعنوي فيما خلى بعض الاستثنياءات و لهذه الخصيصة اهمية خاصة. فلا يكفي لقيام الجريمة وقوعها من انسان و انما ينبغي ان يكون هذا الانسان متمتعا بالتمييز و الاختيار فان تجرد الشخص من ملكة تمييز افعاله و ادراكها لا يعد من الوجهة القانونية المحضة مرتكبا لجريمة اي لا تجوز مساءلته جنائيا ([20]).
فالجريمة ليست ظارهة مادية خالصة بل هي عمل انسان يسال عنها و يتحمل العقاب من أجلها و لذلك يجب ان تكون ذات اصول في نفسيته و بغير العلاقة بين شخصية الجاني و ماديات الجريمة يستحيل تحديد شخص تقوم مسؤوليته عنها([21]). وهكذا فان صغير السن و المجنون و السكران اضطرارا تمتنع مساءلتهم الجزائية لانتفاء ملكة التمييز و الادراك لديهم، كما ان تجرد الشخص من ارادة حرة مختارة يحول ايضا دون مسائلته جزائيا عن الجريمة التي ارتكبها([22])، كالشخص الذي يرتكب الجريمة في حالة اكراه أو ضرورة. و يطلق على العوارض الخمسة موانع المسؤولية الجزائية (صغر السن، الجنون، السكر الاضطراري، الاكراه، الضرورة)، ففي الموانع الثلاثة الاولى يتجرد الانسان من ملكة التمييز و الادراك، و في المانعين الاخرين ينعدم لديه عنصر الاختيار([23]).
4- تفترض الجريمة ان القانون يقرر لها عقوبة او تدبير امن:
يمثل الجزاء او العقوبة أحد اهم مفترضات الجريمة، فثمة افعال غير مشروعة اخرى كالمخالفات المدنية و الادارية يرتب عليها القانون اثارا معينة دون ان تصل إلى حد توقيع الجزاء الجنائي على المخالف، فما يميز الجريمة عما يشابهها هو عنصر الجزاء. و قد يتمثل هذا الجزاء غالبا في العقوبة كالعقوبة البدينة او المالية و قد ياخذ الجزاء الجنائي صورة التدابير الاحترازية او الوقائية، و في ذلك تتفوات اغراض العقوبة بين الردع و الاصلاح و اعادة تأهيل المجرم مع المجتمع([24]).
ثالثا- التمييز بين الجريمة و بين صور المخالفات القانونية الاخرى:
ليست الجريمة الجنائية هي الصورة الوحيدة من صور الافعال غير المشروعة قانونا و نا كانت اعظمها شانا من حيث المصلحة الإجتماعية التي وقع الاعتداء عليها و اشدها جسامة من حيث استحقاق فاعلها للجزاء . و ثمة افعال اخرى غير مشروعة بل إن ما يطلق عليها احيانا وصف الجريمة كالجريمة المدنية و الجريمة التأديبية و لكن ينغي الحذر من الخلط بين الأفعال غير المشروعة الاخرى و بين الجريمة الجنائية([25]).
أ- الفرق بين الجريمة الجنائية و الجريمة المدنية:
تتميز الجريمتان من حيث المصدر و النتيجة و الجزاء.
فمن حيث المصدر la source تجد الجريمة المدنية le delit civil مصدرها في كل فعل سبب ضررا للغير، و الافعال التي يمكن أن تلحق على هذا النحو ضررا بالغير غير قابلة للحصر، فالقانون المدني لا يتضمن قائمة الأفعال التي يمكن اعتبارها ضارة بالغير([26])، و اكتفى المشرع بالقول في صن المادة 124 من القانون المدني " كل فعل ايا كان مرتكبه الشخص بخطئه، و سبب ضراا لغير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض"، اما الجريمة الجنائية le délit pénal فمصرها الوحيد هو النص الجزائي تطبيقا للشرعية الجنائية([27])، على نحو لا يجوز متابعة شخص عن فعل لا يعتبر جريمة في نظر القانون.
و رغم قيام الجريمتين على عنصر الخطأ فلا يجوز القول بأنّ كل خطا ندني يرقى درجة الجريمة الجزائية و بالعكس يمكن ان يكون الخطا الجزائي خطا مدني اذا ترتب عليه ضرر , و عليه فصمدر عدم المشورعية في الخطا المدني نص عام يطبق على جميع الأخطاء، في حين في قانون العقوبات لكل جريمة نص خاص بها عملا بحكم المادة الأولى من قانون العقوبات، و على هذا جاءات الجرائم في قانون العقوبات و القوانين المكلمة حصرا في حين جاء نص القانون المدني مطلقا مما يسمح للقاضي المدني البحث عن الخطأ و تقييمه([28])
و اما من حيث النتيجة le résultatفانه لا يتصور وقوع الجريمة المدنية دون ضرر، و يكون على القاضي تحديد حجم هذا الضرر، و ليس الامر كذلك بالنسبة للجريمة الجنائية و التي تمثل عدوانا على امن الجماعة و استقرارها و سكينتها فلا يشترط فيها وقوع عنصر الضرر اصل عام فمثة جرائم جنائية تقوم قانونا و لو لم يكن هناك اي ضرر، بل تقوم بمجرد تحقق الخطر، و الخطر حالة واقعية ينشا بها احتمال حدوث اعتداء ينال الحق أو الملصحة القانونية([29]) و مثال السياقة في حالة سكر، و حمل سلاح ابيض دون مقتضى شرعي... الخ و هي الجرائم التي تعرف بـ" جرائم النشاط المجرد".
و عدم لزوم نتجية يبدو من ناحية اخرى، حتى في الجرائم التي يدخل المشرع فيها النتيجة في اعتباره، ذلك أنّ عدم تحقق النتجية لن يعفىي الفعال في كل الاحوال من العقاب كما هو الحال بالنسبة ""لشروع في الجريمة" حيث يبدأ الفاعل نشاطه الاجرامي دون ان يبلغ النتيجة لاسباب لا دخل لارادته فيها([30])، وفق ما هو منصوص عليه بالمادتين 30- 31 من قانون العقوبات الجزائري.
و من حيث الجزاءla sanction يتمثل الجزاء في الجريمة المدنية في التعويض و يستفيد منه الشخص المضرور، بينما تعد العقوبة هي الصورة الغالبة للجزاء في حالة الجريمة الجنائية، و العقوبة هنا لا توقع لصالح المجني عليه و لا يتسفيد منها، و انما توقع باسم المجتمع و لصالحه، و لا يجب الخلط بين الجزاء المدني (التعويض) و الغرامة المالية (صورة من صور الجزاء الجنائي) و الغرامة تقرر لفادئة الدولة وليس للمجني عليه([31]).
ب- الفرق بين الجريمة الجنائية و الجريمة التأديبية:
الجريمة الادارية هي عمل أو امتناع عن عمل يصدر عن شخص ينتمي الى هيئة او طائفة او مهنة معينة اخلالا بما يجب عليه نحوها من واجبات و اضرارا بمصالحا أو مساسا بكرامتها ([32]) و يعاقب عليها بواسطة قوانين و لوائح خاصة ([33])، و تتميز الجريمتان من حيث صاحب الحق المعتدى عليه ، المصدر و النتجية و الجزاء.
من حيث صاحب الحق المعتدى عليه: هو الجماعة باسرها في الجريمة الجزائية، بينما هو الطائفة او ارباب المهنة التي ينتمي اليها الفاعل في الجريمة الادارية، و يترتب على هذا الفارق ان الجريمة الأولى تنظرها نفس الهيئة المعتدى عليها و تشكيلها الاداري، بينما تنظر الجريمة الجزائية هيئة قضائية اي المحكمة و تشكيلها قضائي، و تتولى الهيئة المعتدى عليها بنفسها اتهام الفاعل الذي ينتمي اليها بيتنا تتولى النيابة العامة تحريك الدعوى الجزائية و مباشرتها قبل مرتكب الجريمة الجزائية و لهذا تستقل كل جريمة بدعوى تحمي الحق المعتدى عليه([34]).
من حيث المصدر، الجريمة التأديبية مصدرها في كل مسلك – فعلا كان او امتناع- يشكل اضرارا بالمصالح الأجتماعية للطائفة التي ينتمي اليها الشخص([35])، و المعيار الذي تحدد الاخطاء التأديبية وفقا له هو الاخلال بواجبات الوظيفة أو المهنة التي ينتمي إليها الفاعل، و غالبا ما يُكتفى بهذا المعيار حيث يتعذر حصر الاخطاء التايدبية([36]).و لانه من العسير تحديد الافعال االمكونة لها فأن الشمرع يترك عادة للهيئة المعتدى عليها تحديد ما اذا كان الفعل المنوسب الى احد اعضائيها يعتبر جريمة اداارية ام لا([37])، اما الجريمة الجزائية فهي تتكون من افعال يحددها المشرع سلفا و على سبيل الحصر و ذلك بايراد نموذج قانوني لكل منها.
و من حيث النتيجة : سبق و أن اشرنا الى أن الجريمة التاديبية اضيق نطاقا من الجريمة الجنائية، فالاولى لا تمس سوى المصالح القانونية القاصرة بطبيعة الحال على الطائفة او الهيئة التي ينتمي اليها المخالف. بينما تمس الثانية المصالح القانونية للمجتمع باسره على اختلاف طوائفه و من هذه الزاوية يصبح مجال تطبيق الجريمة الجنائية غير محدود([38]).
و من حيث الجزاء: تتسع اكثر شقة التباين بين كل من الجريمتين سواء من حيث الجهة التي لها سلطة توقيع الجزاء أو من حيث طبيعة هذا الاخير، ففيما يتعلق بالجريمة التأديبية يكون توقيع الجزاء موكولا الى هيئة نظامية ينتمي اليها مرتكب المخالفة، كما ان الجزاء التاديبي ذو طبيعة خاصة و اقصاه هو استبعاد المخالف من الطائفة او الهيئة و اذا كانت الجرائم التاديبية غير محدودة على سبيل الحصر فان المشرع يحرص في الغالب على تحديد العقوبات التاديبية على سبيل الحصر فلا يجوز للهيئة ان توقع عقوبة لم ينص عليها القانون، اما الجزاء الجنائي فان توقيعه لا يكون الا منقبل جهة قضائية رسمية ممثلة للدولة، و يتضح الفارق بكشل كبير جدا بخصوص طبيعة الجزاء الجنائي الذي قد يصل الى حد توقيع الاعدام في حق مقترف الجريمة ([39]).
غير أن الاختلاف بين الجرميتين لا يمنع من أن ينشأ عن الفعل الواحد جريمة تاديبية و جريمة جزائية في ذات الوقت، ومثال ذلك اختلاس الموظف امولا في عهدته ففي هذه الحالة ينشا عن الفعل دعويان، دعوى عمومية و دعوى تاديبية تستقل كل منهما بجهة اختصاصها و اجراءاتها ، كما ان اقامة الدعوى الجزائية على الجاني لا يمنع من محاكمته تاديبيا و لا يوقف – حسب الاصل- السير في الدعوى التاديبية المقامة عليه قبل رفع الدعوى الجزائية([40]). بل ان الحكم الصادر في الدعوى الجزائية ببراءة المتهم لا يحول دون توقيع الجزاءالتاديبي عليه كما هو الحال اذ قضي بالبراءة نتيجة استبعاد الدليل لبطلانه او البراءة لانعدام القصد الجنائي فان ذلك لا يحول دون اعتبار تلك الوقائع اخطاءا تاديبية، و مع ذلك فليس ثمة ما يحول ان ينطوي الفعل الواحد على جريمة دون الاخرى فقد تتوافر الجريمة الجزائية وحدها دون الجريمة التاديبية و من امثلة ذلك جرائم المرور، و أي جريمة اخرى ارتكبت من قبل شخص لا ينتمي الى طائفة معينة او هيئة معينة ([41]).
و من المصلحة دراء للتناقض بين الاحكام و مراعاة لما تحوزه المحاكم الجزائية من وسائل الكشف عن الحقيقة ان تكون للحكم الجنائي النهائي حجية الشيء المحكوم فيه امام القضاء الاداري على ان تقتصر هذه الحجية على ما اثبته من وقائع و كان اثباته ضروريا و يعني ذلك انه لا حجية للحكم الجنائي فيما قرره من تكييف، و الملحوظ في التشريع الحديث ميل القانون التاديبي الى الاقتراب من القانون الجنائي و لعل مرد ذلك الرغبة في ان تتوفر في المحاكمة التادبيبة الضمانات التي يقررها المشرع بالنسبة للمحاكمة الجزائية بما يناى بالاولى عن احتمالات التعسف ([42]).
الموضوع القانوني للجريمة:
لكل جريمة موضوع قانوني تشكل اعتداء عليه، و هذا الموضوع هو الحق أو المصلحة محل الحماية الجنائية، فالمشرع لا يجرم الافعال من اجل التجريم و انما باعتباره وسيلة لحماية مصلحة بعينها، و المصلحة المحمية تعتبر حجر الزاوية في دراسة الجريمة، ذلك ان صفة عدم المشروعية التي تلحق بالفعل الاجرامي انما تتحدد على اساس مدى ارتباط الفعل بالمصلحة المحمية من حيث اضراراه بها او تهديده اياها بالضرر من عدمه فاذا انتفت تلك العلاقة الضارة بين الفعل و المصلحة المحمية زالت عنه الصفة التجريمية بالرغم من التعارض الشكلي بينه و بين النص التجريمي([43]).
على انه ينبغي التفرقة بين الموضوع المادي للسلوك الاجرامي ما يسمى بالموضوع القانوني للجريمة، فالموضوع المادي للسلوك الاجرامي، كما اشرنا سلفا الى أنه المحل الذي يرد عليه مباشرة هذا السلوك، انسانا كان هذا المحل او حيوانا أو شيئا. اما الموضوع القانوني للجريمة فهو ذلك المال المادي او المعنوي الذي قصد صونه بتقرير العقاب على السلوك الماس به، لكون سلامة هذا المال او القيمة الاجتماعية شرطا جوهريا من شروط حق المجتمع في الكيان و البقاء([44]).أي ان الموضوع القانوني للجريمة هو المصلحة القانونية، اما موضوعها المادي فيتمثل في محل هذه المصلحة([45])
و ليس بلازم ان يتحد الموضوع المادي للسلوك الاجرامي مع الموضوع القانوني للجريمة، فهما ان اندمجا سويا في بعض الحالات، قد يفترقان و يتميز الواحد منهما عن الاخر في كثير من الحالات. ففي جريمة القتل مثلا، من الحالات التي يندمج و يتحد فيها معا الموضوع المادي للسلوك و الموضوع القانوني للجريمة، ذلك لان الموضوع المادي للسلوك فيها هو حياة المجني عليه، و هذه الحالة هي بعينها الموضوع القانوني للجريمة من حيث كون صيانتها من الشروط الجوهرية اللازمة لحق المجتمع في الكيان و البقاء و من حيث كون هذه الصيانة هي اساس التجريم اي اساس تقرير حق العقاب على فعل القتل([46]).
و انما كثيرا ما يختلف الموضوع المادي للسلوك عن الموضوع القانوني للجريمة. ففي جريمة التزوير، الموضوع المادي لسلوك فاعلها هو المحرر و اما الموضوع القانوني لها فهو ما يسميه الفقه الايطالي بالايمان بالمستندات اي ما جبل عليه الناس من قابلية التأثر في تكوين عقيدتهم بالوثائق و المستندات. فالتغرير بهذه القابلية معناه في نظر المشرع الاخلال بشرط جوهري يتوقف عليه حق المجتمع في الكيان و البقاء، و هو الامتناع عن الغش([47]).
و متى استقر وجه التفرقة بين الموضوع المادي للسلوك الاجرامي و بين الموضوع القانوني للجريمة، يتبين بجلاء كي فان الاول يوجد في النص ذاته و في الوصف الذي حدد به النص السلوك المحظور، في ان الثاني لا يوجد في النص و انما وراء النص اي يمثل الحكمة من النص نفسه ([48]).
الجاني او مرتكب الجريمة:
الجاني هو الشخص الذي يحقق بسلوكه الجريمة و لذالك فان كل جريمة لا بد ان يرتكبها انسان مهما كانت الوسائل التي استخدمها في ارتكابها و كقاعدة عامة لا يتطلب القانون صفة معينة في الجاني او مرتكب الجريمة فغالبية قواعد التجريم تخاطب جميع الافراد الخاضعين لسطان النص و بالتالي تتحقق الجريمة من أي فرد مخاطبا بالنص و يكتسب بذلك صفة الجاني([49]).
و مع التسليم بذلك فان تطور الفكر لجنائي اصبح الشخص المعنوي ايضا يعامل تماما مثل ما يعامل الشخص الطبيعي اذ بامكانه ان يسال جزائيا عن اية جريمة تامة او تم الشروع فيها كما يمكنه ان يكون فاعلا او شريكا غير ان تطبيق هذا الحكم يتطلب تحديد الاشخاص محل المساءلة الجزائية ثم السلوك محل المساءلة و اخيرا الجرائم التي تشملها المساءلة([50]) و هو مسلك المشرع الجزائري([51])
و مع ذلك فقد يتطلب المشرع في بعض الجرائم تحقق صفة معينة في مرتكبها، و تدخل تلك الصفة كعنصر من عناصر التكوين القانوني لها، و في تلك الحالات تنتفي الجريمة اذا انتفت الصفة المتطلبة في الجاني و هذا النوع من الجرائم يطلق عليه الجرائم الخاصة([52]) و مثالها الجرائم المنصوص عليها في القانون المتعلق بالقواية من الفساد و مكافحته، كرجية الرشوة و الختلاس و غيرها حيث يتطلب المشرع في الجاني صفة الموظف و ذلك جريمة الزنا حيث يتلطب في الجاني صفة الزوجية (م 339 ق ع ).
المجني عليه في الجريمة:
في كل جريمة يوجد مجني عليه (ضحية) و هو الشخص الطبيعي او المعنوي الذي لحقه اذى الجريمة، غير ان الجريمة قد تضر باخرين خلاف المجني عليه، الا انه ليس كل مضرور من الجريمة يعتبر مجنيا عليه، و من هنا تعين التفرقة بين المضرور و المجني عليه، و يلاحظ ان هذه التفرقة لها أهميتها التي تنعكس على كثير من جوانب قانون العقوبات و الاجراءات الجزائية، ذلك ان المشرع يعطي للمجني عليه حقوقا لا تثبت للمضرور، كما قد يمنحه مكنات اخرى تؤثر على قيام الجريمة و على مباشرة الدعوى الجنائية المتعلقة بها. و مثال ذلك اثر رضا المجني عليه في اباحة الجريمة أو في نفي بعض عناصرها كما قد يقيد حرية النيابة العامة في مباشرة تحريك الدعوى العمومية([53]).
و من ناحية اخرى يعطي القانون للمضرور من الجريمة الحق في الادعاء المدني امام القضاء الجنائي و رفع الدعوى مباشرة دون التقيد بثوت صفة المجني عليه، بل ان هذا الاخير لا تثبت له حقوق الادعاء المدني اذا لم تثبت له صفة المضرور، أي اذا لم يلحقه ضرر مادي او ادبي يمكن التعويض عنه من الجريمة و مثال ذلك المجني عليه في جريمة خيانة الامانة (م 376 ق ع) فهو الشخص المودع و ليس مالك الشيء و الذي قد يكون مختلفا عن المودع، فالمالك في هذا الفرض يكون هو المضرور من الجريمة بينما المجني عليه أي المودع قد لا يضار ضررا يسستوجب التعويض من الجاني. ذلك أن المشرع في هذه الجريمة لم يقصد حماية الملكية، و انما قصد حماية الثقة في المعاملات التي تفرضها عقود الامانة ([54]).
و هنا يثار التساؤل حول المعيار الذي يهتدى للتفرقة بين الصفتين، صفة المرور و صفة المجني عليه؟
الضابط في تفريد صفة المجني عليه هو "المصلحة المحمية" جنائيا، فاذا كان الشارع يجرم افعالا معينة لاضرارها بالمصالح المراد حمياتها جنائيا، فمن المنطقي و الطبيعي ان يتحدد المجني عليه في الجريمة باعتباره صاحب الحق او المصلحة محل تلك الحماية، و لما كان الفعل الاجرامي يمكن ان يحدث ضررا باكثر من حق فان العبرة في تحديد المجني عليه هي بالمصلحة الماخوذة بعين الاعتبار من النص التجريمي، و تثبت لغيره من اصحاب المصالح الاخرى التي اضيرت "صفة المضرور"([55]).
و من هنا فان التفرقة بين المصلحة المحمية بوصفها الموضوع القانوني للجريمة و بين الموضوع المادي للسلوك لها اهمية في التمييز بين المجني عليه في الجريمة و بين المضرور. فاذا اتحد صاحب المصلحة المحمية و من تعلق به الموضوع المادي للسلوك تثبت صفة المجني عليه و المضرور لذات الشخص. اما اذا كانت المصلحة المحمية تتعلق بشخص مختلف عمن تعلق به الموضوع المادي للسلوك ثبتت صفة المجني عليه للاولى و صفة المضرور للثاني كما راينا في المثال الخاص بجريمة خيانة الامانة حينما يكون المودع ليس هو مالك الشي موضوع التبديد([56]).
([5]) و هذا هو التعريف القنوني للجريمة و وهو وحده التعريف الذي تدور عليه دراسات قانون العقوبات بل و دراسات العلوم الجنائية بصفة عامة، بعد أن فشلت سائر المحاولات التي سعت الى وضع تعيرف عام و عالمي للجريمة استنادا الى فكرة الجريمة الطبيعية delit naturel التي قال بها Garofaro يقصد بها الجريمة التي تعارفت عليها كافة المجتمعات المتمدينة على تجريمها و على فرض الجزائ الجنائي على مرتكبيها، و يرجع اساس الفكرة الى ان المجتمعات الانساسية حينما تتجاوز المرحلة البدائية في تطورها تتواضع على قدر معين من المشاعر الانساسية قوامها " الشعور بالغيرة او بالتعاطف نحو الاخرين" كنتيجة طبيعية لقبول افراد المجتمع الانضمام في معيشة واحدة و بالتالي فان المجتمعات الانساينة المتمدينة جميعا يتوفر لدى افرادها قدرا ادنى متماثلا تقريبا من هذه المشاعر الغيرية، و لان الجريمة فعل يضضر بكل مجتمع لانها تتعارض مع المشاعر الغيرية السائدة فيه فان هناك اذن ما يمكن تسميته بالجريمة الطبيعية التي تتعارف عليها كل المجتمعات.
انظر: محمد زكي ابو عامر، المرجع السابق، ص 35.
([8]) عبد الفتاح مصطفى الصيفي، القاعدة الجنائية، بدون رقم الطبعة، الشركة الشرقية للنشر و التوزيع، لبنان، 1959، ص 83.
([13]) عبد الله سليمان، شرح قانون العقوبات الجزائري، الجزء الاول الجريمة، الطبعة الثامنة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2016، ص59 .
([17]) حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية رقم 156 لسنة 34 قضائية دستورية بتاريخ 02 نوفمبر 2019 منشوربالجريدة الرسمية العدد44 مكرر (ه) الصادرة 05 نوفمبر 2019.
([22]) "وحيث إن من المقرر أن الأصل في الجرائم، أنها تعكس تكوينا مركبا باعتبار أن قوامها تزامنا بين يد اتصل الإثم بعملها، وعقل واع خالطها ليهيمن عليها محددا خطاها، متوجها إلى النتيجة المترتبة على نشاطها، ليكون القصد الجنائي ركنا معنويا في الجريمة مُكملاً لركنها المادي، ومتلائما مع الشخصية الفردية في ملامحها وتوجهاتها. وهذه الإرادة الواعية هي التي تتطلبها الأمم المتحضرة في مناهجها في مجال التجريم بوصفها ركنا في الجريمة، وأصلا ثابتا كامنا في طبيعتها، وليس أمراً فجاً أو دخيلاً مقحماً عليها أو غريباً عن خصائصها. ذلك أن حرية الإرادة تعنى حرية الاختيار بين الخير والشر. ولكلٍ وجهة هو مُوَلِّيها، لتنحل الجريمة - في معناها - إلى علاقة ما بين العقوبة التي تفرضها الدولة بتشريعاتها، والإرادة التي تعتمل فيها تلك النزعة الإجرامية التي يتعين أن يكون تقويمها ورد آثارها، بديلا عن الانتقام والثأر المحض من صاحبها. وغدا أمرا ثابتا - وكأصل عام - ألا يجرم الفعل ما لم يكن إراديا قائما على الاختيار الحر، ومن ثم مقصودا. ولئن جاز القول بأن تحديد مضمون تلك الإرادة وقوفا على ماهيتها، لازال أمرا عسراً، إلا أن معناها - وبوصفها ركنا معنويا في الجريمة - يدور بوجه عام حول النوايا الإجرامية أو الجانحة أو النوازع الشريرة المدبرة أو تلك التي يكون الخداع قوامها أو التي تتمحض عن علم بالتأثيم، مقترناً بقصد اقتحام حدوده، لتدل جميعها علي إرادة إتيان فعل بغياً". حكم المحكمة الدستورية العليا المصرية في القضية رقم 156 لسنة 34 قضائية دستورية بتاريخ 02 نوفمبر 2019 منشوربالجريدة الرسمية العدد44 مكرر (ه) الصادرة 05 نوفمبر 2019.
([29]) و تسمى هذه الطائفة من الجرائم بـ "الجرائم الشكلية" او "جرائم الخطر" délit de mise en danger و هي التي يكتفي فيها المشرع بان يرتب على السلوك الاجرامي خطرا على الحق او المصلحة محل الحماية الجنائية دون استلزام الاضرار الفعلي و تمثل هذا الخطر في التهديد بالضرر، اما الجرائم التي يسترط فيها المشرع ان يحقق الجاني بسلوكه الاجرامي ضررا على الحق فيطلق عليها تعبير جرائم الضرر délit de lésion . لمزيد من التفصيل انظر احمد شوقي عمر او خطوة، جرائم التعريض للخطر العام، بدون رقم الطبعة، دار النهظة العربية، مصر، 1999، ص 7 .
([44]) رمسيس بهنام، الاتجاه الجديد في نظرية الفعل والفاعل والمسؤولية، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، السنة التاسعة، العدد الثالث والرابع، مطبعة جامعة الإسكنـدرية، مصر، 1959، ص 60.
([45]) رمسيس بهنام، الاتجاه الجديد في نظرية الفعل والفاعل والمسؤولية، مجلة الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، السنة التاسعة، العدد الثالث والرابع، مطبعة جامعة الإسكنـدرية، مصر، 1959، ص 60.
([46]) عبد المنعم محمد ابراهيم رضوان، موضع الضرر في البنيان القانوني للجريمة، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، مصر، 1993، ص 99.
([51]) تنص المادة 51 مكرر من قانون العقوبات: (القانون رقم 04-15 المؤرخ في 10 نوفمبر 2004) باستثناء الدولة والجماعات المحلية والأشخاص المعنوية الخاضعة للقانون العام، يكون الشخص المعنوي مسؤولا جزائيا عن الجرائم التي ترتكب لحسابه من طرف أجهزته أو ممثليه الشرعيين عندما ينص القانون على ذلك.
إن المسؤولية الجزائية للشخص المعنوي لا تمنع مساءلة الشخص الطبيعي كفاعل أصلي أو كشريك في نفس الأفعال".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق