مرافعة الدفاع في قضية قتل درأً للعار للأستاذ أحمد جمعة المحامى
والمنشورة في كتاب هكذا ترافع العظماء للمستشار بهاء المري.
في هذه القضية إعتدى شخص جنسياً علي شقيقة زوجته فحملت منه سفاحا وتكتمت أمرها ، وبعد زواجها بساعات يشيع النبأ فيقتلها والدها ويشترك معه شقيقها درأً للعار .
ترافع في القضية الأستاذ أحمد جمعة المحامي مرافعة بليغة تُعد مثالاً لعرض ماهر للواقعة بمنهج التجسيد، قال فيها :
- المقدمة :
سيدي الرئيس .. حضرات السادة الأجلاء
إذا أذنت مسامعكم الجليلة أن أبسط أمامكم دفاعي وبعضاً من شجوني وأقرر مطمئناً أن القضية المنظورة هي قضية مجتمع بأسره قضية العادات والتقاليد والموروث الثقافي ونحن جميعا مسئولون بقدر مسئولية المتهم .
ولعلي لا أكون متجاوزا الحقيقة أن قلت لحضراتكم إن تلك القضية قد هزت وجداني هزاً وترددت في قبولها أول الأمر لكني عندما خلوت لنفسي وتداعت الأحداث أمام ناظرىّ وتخيلت لو أني كنت مكان المتهم ماذا عساىّ أن أفعل ؟
وقبل أن نلِج فى دفاعنا علينا أن نُلقى بعض الضوء علي وضع المرأة في المجتمع ومفهوم الشرف ومفهوم العار لدي الناس .
- العنف ضد المرأة يمارس قبل أن تولد
والعنف ضد المرأة في مصر يتميز عن العنف في مناطق أخري في العالم بميزة فريدة وهو أنه يُمارس منذ الطفولة بل وأحياناً قبلها وهي لازالت جنيناً في رحم أمها فثقافتنا لازالت تتوجس من ولادة الأنثى .
ثم نصل إلي مراحل العنف من ختان ومن زواج مبكر واغتصاب وجرائم شرف إلي إخر تلك الممارسات التي تُرتكب ضد المرأة.
-الموروث الشعبي وأثره في النظر إلي الأنثي:
ولقد فعل الموروث والعادات والأمثال الشعبية فعلته حتي إستقرت في الأذهان وفي الضمائر أن المرأة عورة " يا مخلفة البنات يا سائلة الهم للممات " " ولما قالوا دي بنية اتهدت الحيطة عليا " " ولما قالوا دا ولد اشتد ظهري واتسند" " واكسر للبنت ضلع يطلع لها اثنين " .
وهكذا تُستقبل البنت في ثقافتنا الشعبية وهكذا يتعامل الفُلكلور الذي هو ترجمة حِس البسطاء مع الأنثي وهذا هو أول مظاهر العنف ضد الطفلة والفلكلور لا يتعامل بهذا الجفاء مع الطفلة حين ولادتها فقط وانما يمتد هذا الجفاء وتلك العدوانية معها في حياتها كلها .
ولقد سطر القرآن الكريم ذلك بقوله عن الجاهلية " وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59) ." صدق الله العظيم .. سورة النحل
وهذا يجرنا للحديث عن الشرف بالنسبة للمرأة والرجل فشرف المرأة عندنا له معني محدد وهو غشاء البكارة والجنس فهو ضيق كثقب الإبرة أما شرف الرجل فواسع كالمحيط وغامض كالشبح فالمرأة غير الشريفة هي التي تفرط في عرضها ولو لمرة واحدة أما الرجل فهو شريف ولو مارس ذلك الفعل كل يوم .
ومن مظاهر التمييز بين الرجل والمرأة في جرائم الشرف ما ورد بقانون العقوبات فجريمة الزنا جريمة أخلاقية يعاقب فيها الرجل مثل المرأة لكن الواقع غير ذلك المادة ٢٣٧ عقوبات " من فاجأ زوجته حال تلبسها بالزنا وقتلها في الحال هي ومن يزني بها يعاقب بالحبس بدلا من العقوبات المقررة في المادتين ٢٣٤ ، ٢٣٦ والمادة ٢٧٣ عقوبات " لاتجوز محاكمة الزانية إلا بناء علي دعوي زوجها إلا أنه إذا زني الزوج في المسكن المقيم فيه مع زوجته كالمبين في المادة ٢٧٧ لا تسمع دعواه ".
والمادة ٢٧٤ " المرأة المتزوجة التي ثبت زناها يحكم عليها بالحبس مدة لا تزيد علي سنتين لكن لزوجها أن يقف تنفيذ هذا الحكم برضائه معاشرتها له كما كانت ".
فالمشرع اشترط لقيام جريمة الزنا للزوج أن يتم في منزل الزوجية ولابد أن تثبت عليه التهمة أما الزوجة فعقابها في جريمة الزنا يقع في أي مكان فالعقاب مختلف .
وليست جريمة الزنا هي التي يتم فيها التمييز بين الرجل والمرأة فقط ولكن جريمة الدعارة أو ممارسة الفحشاء هي الأخري فيها تمييز مجحف بين الرجل والمرأة.
ولأننا شعب أناني وسطحي فلقد إختصرنا الشرف في غشاء البكارة وهو أكبر وأعمق من ذلك وبرغم دقة هذا الغشاء إلا أنه معقد أبعد ما يكون التعقيد وذلك بنسج الأساطير حوله وسيظل عود الكبريت مشتعلا لا نعلم إن كان يضيئ لنا أم يحرقنا ؟ وهل هو نور أم نار نصطلي بها ؟ وسنظل نردد ما حيينا " لا يسلم الشرف الرفيع من الأذي .. حتي يراق علي جوانبه الدم " ويختلف الشرف تبعا لاختلاف البيئة والظروف الاجتماعية والاقتصادية.
في رواية الحرام للدكتور يوسف إدريس جعل الاغتصاب هو الثمن التي دفعته عاملة التراحيل لجذر البطاطا فأضافت إلي فقر الجيب فقر الروح وجدب الأمل وكانت تتحمل هذه اللحظة الرهيبة لحظة اغتصابها في حقل البطاطا فبداية الأغتصاب إستباحة وهي برغم فقرها لم تكن مستباحة ونهاية الإغتصاب موت يلُف الفتاة وهي تتحرك علي قدمين من العار .
أما فتاتنا رحمها الله لم تشعر بهذا الخزي ولم تخبر أحداً بما في أحشائها ووافقت علي الزواج بل ورقصت في فرحها حتي الصباح وكأن لا شئ بداخلها وكأنه وبعد ساعات ستلد العار وتورثه لأهلها وسيظل سلطان العادات والتقاليد يفرض نفسه فرضا إلي حد أن الأم بيديها تقتل ابنتها التي زلَّت وغوت بسكين .
وفي رواية دعاء الكروان لطه حسين يعبر عن هذا المعتقد التقليدي للشرف وارتباطه بعذرية البنت ، وتتعرض هنادي للذبح بسكين خالها وبالاشتراك مع تلك المرأة التي صورها الكاتب عاجزة عن الدفاع عن ابنتها واشتركت مع الخال في القتل ويظل الخال القاتل حرا طليقا ولا يعد مجرما كأنما هو أدي واجبه كرجل غيور علي شرف أسرته "العار لا يغسله إلا الدم " مثل عربي شائع ولا تفكر آمنة علي الإطلاق في عقاب خالها الذي ذبح أختها لأن طه حسين يقول في روايته عن النساء " إنهن عورة يجب أن تُستر " ."وحرمة يجب أن تُرعي " "وعرض يجب أن يصان" ولكنها تفكر في الانتقام من المهندس الذي اعتدي علي شرف هنادي .
أما في واقعتنا فالمتهمين أبناء بيئتهم وثقافتهم وفقرهم وهمهم ومرضهم وعارهم فهو إبن البيئة الصعيدية وهو الذي يأتي في أقل درجات المجتمع فهو بواب إبن بواب وهذا الفقر المدقع لا يمنعه من أن يشعر بالعار يلتف حول رقبته ويطأطئ رأسه فالعرض هو مظهر الرجولة العرض الذي يمكن أن يعتز به أمام مجتمع ظالم أمام مجتمع مشوه أمام مجتمع قد مُسخ مسخا .
من منا لم يستمع إلى موال شفيقة ومتولي الجرجاوي فلقد دار الموال كله يُمجد في متولي قاتل شقيقته ويرفعه علي الأعناق ويتمايل المطرب ومتولي يقطع في جثة شقيقته ويرمي بها إلي الشارع" وجت الحكومة قالوا انزل يا متولي .. نزل يضحك ولا علي باله .. وبوليس وأهالي في استقباله" وينتهي الموال بتلك الحكمة التي تجعل من متولي بطلا شعبيا فتقول " متولي شريف من دي الساعة ... وخلص من العار بشجاعة ..والحكم ست شهور أشاعة . وصعيدي عنده الشرف غالي وعاش بشرفه الجرجاوي. وصعيدي عنده الشرف غالي".وهكذا يلخص الموال الشعبي الخالد رأي ما يسمي بالوعي المجتمعي الذي يطفوا علي السطح وقت الازمات والمهم أن متولي الجرجاوي عندما فصل الرقبة أو كما يقول الموال الزور عن الجسد قد استرد شرفه الضائع .
فإذا ما انتهينا أيها السادة إلي أن الموروث الشعبي يفعل فعلته في النفس البشرية فإن ظروف القضية وملابساتها قد هزت المتهم هزا وأغلقت مفاتيح العقل .
- لم تسلم مريم العذراء من العنف :
وقياس مع الفارق نذكر قصة مريم العذراء البتول سيدة نساء العالمين عندما بُشرت بغلام قالت :
" قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)۞ فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)" صدق الله العظيم
هذا من أنباء الغيب ومع سيدة نساء العالمين والتي يعلم الجميع طهرها وعفافها ونقائها وشرفها لم تستطع الجماهير رؤية الغلام ومن أين أتت به فصرحوا بأن ما أتته هو شيئا فريا با واجهوها بأن أباها لم يكن امرأ سوء وما كانت أمها بغية وفي ذلك التلميح والتصريح ما فيه ولازال السفلة والسفهاء من بني إسرائيل يخوضون في طهر مريم حتي الآن .
-مصيبة الأب :
فكيف يواجه الأب المكلوم والأخ ذلك الموقف العصيب ؟ ومتي؟ بعد ساعات من حفل زفافها بعد ساعات من تلقيهم التهنئة بالزواج الميمون إذ يأتي الناعي والنذير أيها الأب لقد جاءت إبنتك أمرا فريا لقد أتت ابنتك أمرا إدَّا لقد حملت إبنتك سفاحا ووضعت حراماً .
يا الله ...كيف لهذا الرجل بل كيف لتلك الأسرة أن تتحمل ذلك ؟ كيف لها أن تواجه مجتمع لا يرحم وغمزات الناس وهمزاتهم ولمزاتهم وعيونهم تقتله قتلا ؟ كيف لتلك النفس أن تتحمل وتطيق ؟ إنه لأمر جلل .. إنه لخطب عظيم .
ذهب الرجل وإبنه مطأطئي الرأس يحملون عارهم بأيديهم ثم كانت المصيبة الأخري إن ذلك الحمل وذلك النبت الحرام وليد زنا المحارم فالذي فعل تلك الفعلة الشنعاء هو زوج إبنتهم الأخري وكأن الرجل لا تكفيه مصيبة فأتته مصيبتان في إبنتيه ليت الأرض قد إنشقت فبلعته ليت السماء قد إنطبقت علي الأرض..ليته كان نسياً منسياً .
أغلق الرجل عليه بابه وأصم أذنيه علَّ الله يجعل له سبيلا فانبعثت شياطين الإنس والجن يذكرونه بالشرف وبالعار يقرعون سمعه ليل نهار بألسنة السوء ألسنة من نار أُقتل ابنتك ، أُمحو عارك ، إرفع رأسك إغسل خطيئتك .
ويحاول الرجل ألا يسمع لكل ذلك فيستمر الدوي علي أذنيه أقتل إبنتك أمحو عارك إرفع رأسك يمشي الرجل مطأطئ الرأس يتغامز الناس عليه يلوكونه بألسنة حادة لا ترحم .
يذهب الرجل إلي المسجد يصلي لله بل لعله دعا ربه أن يُنجيه من هذا الأمر بل لعله تمني أن يذهب إلى إبنته فيجدها نسياً منسيا غير أن السماء قد تخلت عنه كما تخلي عنه الجميع وأغلق عليه شيطانه الفكر فلم يُبصر أمامه سوي العار وأي شعور بالأسي والألم والحزن والهم والغم قد ملك علي الرجل تفكيره.
- عار الإبن كعار الأب :
طلب من إبنه المساعدة وكان من الممكن أن يكون إبناً آخر غير المتهم لكن المتهم الذي مسه من العار ما مس أبيه وزيادة كان واقعاً أيضاً تحت سندان العار ومطرقة الفضيحة واقع تحت سلطان الأب قال ياأبت إفعل ما تري ستجدني إن شاء الله من الصابرين. ليته عصاه ليته لم يُطع أباه ليته لم يفعل لكنه فعل.. قتلاً للعار وطاعة للأب.
يا ويل تلك الأسرة التي جني عليها في لحظة عابرة ذلك الذئب البشري الذي أتي الأمر الحرام في المرأة الحرام لقد حطم أسرة كاملة وهو الآن حر طليق ذلكم أيها السادة هو المجرم الحقيقي ذلكم أيها السادة هو الذي كان يجب أن يُوقع عليه العقاب .
أما المتهم فإنه لم يكن يملك من أمره شيئا وما كان له ألا يجيب والده وهو المشمول بالعار وبالفضيحة أيضاً .
تلك هي المأساة أيها السادة...
وتلك هي المحنة التي ألمت بتلك الأسرة التي ما كانت تملك من حطام الدنيا إلا بقية من شرف فأتت عليه المجني عليها فذهبت بالشرف كله فاقضوا بما أراكم الله وليكن ما سردته وما ستفصح عنه الأوراق هاديكم في الحكم علي المتهمين
ومن أجل ذلك
ألتمس إستعمال منتهى الرأفة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق