اعداد الدكتور لهوى رابح
محام معتمد لدى المحكمة العليا و مجلس الدولة
شارع أول نوفمبر مقابل مكتبة بن دالي،العلمة
WhatsApp/ Viber 0555.86.27.55
r.lahoua@univ-setif2.dz
الفصل التمهيدي
ماهيـة الأدلـة المعلوماتية المستمــــدة مـــن التفتيـــش
من البديهي ان تنعكس طبيعة تكوين الدليل المعلوماتي و طبيعة الوسط الافتراضي الذي يتولد منه على الدليل ذاته و تثير هذه الحقيقة في معرض دراستنا تساؤلات مشروعة تتعلق أساسا بمفهوم هذا الدليل الجنائي ؟ و ما هو المصطلح الدقيق للدلالة عليه؟ و هل هناك فارق بين مصطلح الدليل المعلوماتي و الدليل الرقمي و الدليل الالكتروني أم هي مترادفة المعنى ؟ ما الذي يختصه به هذا الدليل على غيره من الأدلة الجنائية ؟ ما هو موقعه بين التقسيمات التقليدية للادلة الجنائية ؟ الواقع من الأمر أن هناك تساؤلا قانونية عديدة تعد الإجابة عنها بمثابة المدخل الطبيعي و المنطقي لدراسة فكرة الشرعية الإجرائية المعلوماتية للارتباط الوثيق القائم بين مفهوم الدليل و مشروعيته و ذلك من خلال التطرق إلى مدلول الدليل الجنائي المعلوماتي (مبحث أول)، و موقعه ( مبحث ثاني) .
المبحث الأول
مدلول الدليل الجنائي المعلوماتي
ما المقصود بالدليل الجنائي المعلوماتي؟ الحقيقة أن هذا السؤال يحدد بدقة طبيعة الدراسة و غايتها، فإن كانت تسمية هذا الدليل تبدو كاشفة للوهلة الأولى عن مدلوله، الا ان ذلك بمثابة تبسيط مخلا لاشكالية لا تزال محل جدال خصيب ، تعد الإجابة عنها مقدمة ظرورية لدراسة مشروعية هذا الدليل، و لا ريب أن التّعمق في ماهيته لا تقف عند مفهومه و خصائصه بل تتطلب تحديد ذاتيته مقارنة بالادلة التقليدية، لذا كان من المقتضى الطبيعي و المنطقي للأمور أن يعالج مدخل هذه الدراسة مفهوم الدليل المعلوماتي( مبحث أول) و ذاتيته (مبحث ثاني).
المطلب الأول: مفهوم الدليل المعلوماتي
إن البحث في نطاق مفهوم الدليل المعلوماتي يجعل الباحث – و بحق - عرضة لخضم هائل من الآراء في تعريفها لهذا الدليل، حتى إنه من الصعوبة بمكان رصد موقف تشريعي أو فقهي يعرفه تعريفا جامعا مانعا( فرع أول) أو يقدم ولو جزئيا منطقا قانونيا يمكن من خلاله تحديد المصطلح الدقيق للدلالة عليه ( فرع ثاني).
الفرع الأول : تعريف الدليل المعلوماتي
يفرض البعد التقني للدليل المعلوماتي أن يتسم مفهومه بالمرونة و الوضوح بغية وضع تعريف دقيق له، خشية حصره في نطاق ضيق لا يتوائم مع التطور المتسارع الذي تشهده تقنية المعلومات و إن أغفلت الاتفاقيات الدولية رصد تعريف له ( فقرة أولى) و ترددت معظم التشريعات في بيان مدلوله ( فقرة ثانية)، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الفقه من المساهمة في رسم ملامح واضحة لمفهومه ( فقرة ثالثة ).
أولا: التعريف الإتفاقي
إن المتأمل للاتفاقيات الدولية، يلحظ في مستهلها إدراج مادة لتعريف المصطلحات والمفردات المستخدمة في متن الاتفاقية توضح فيها المعاني المقصودة بتلك المصطلحات، والغرض من ذلك هو تحري الدقة في استخدام المصطلح وإخراج ما لا يقصد الأطراف، و هو المسلك الذي سلكته الاتفاقيات الدولية التي تعنى بمحاربة الجرائم المعلوماتية بأن تعرضت إلى تحديد مفهوم عديد من المصطلحات الهامة المرتبطة بالإثبات الجنائي المعلوماتي إلا أنها أغفلت إيراد تعريف للدليل المعلوماتي([1])، و على وجه التحديد الإتفاقية الأوروبية التّي تعتبر أوّل و أهّم صك دولي يشكل إطارا متكاملا لمحاربة الإجرام المعلوماتي.
و أهمية تحديد مدلول الدليل المعلوماتي في الاتفاقيات الدولية يفرضها البعد الدولي لهذا الدليل، و قد استشعرع المشرع الأوروبي الحاجة اليها عند محاولة إبرام اتفاق دولي يحدد من خلاله آليات جمع الأدلة المعلوماتية و تبادلها بين دول الاتحاد الأوروبي أين أثيرت إشكالية المفهوم الدقيق لمصطلح "الدليل المعلوماتي" نتيجة انعكاس مفهومه على إجراءات الوصول إليه و استرداده و ما يتترب على ذلك من مساس خطير بالحقوق الحريات الفردية خاصة تلك الإجراءات التي تجرى عن بعد و عبر الحدود الدولية بالمفهوم التقليدي، أين قد استدرك هذا القصور ضمن مشروع الإتفاقية الأوروبية لتبادل المعلومات و الأدلة الرقمية " Evidence " ([2])، و التّي عُرِف الدليل المعلوماتي بمقتضاهابأنه يمثل " أيّ معلومات ( تشمل مخرجات الأجهزة التناظرية أو البيانات في شكل رقمي ) ذات قيمة إثباتية محّتملة تتم معالجتها أو توليدها أو تخزينها أو نقلها بواسطة أيّ جهاز إلكتروني"([3]).
و الملاحظ على هذا التعريف أنّه ورد دقيق الصياغة من النّاحية اللّغوية و القانونية، إذ بقدر ما كان التعريف موّسعا شاملا لجميع أنواع المعلومات، أيّا كان نّوعها، و وضعها، خشية توصّل التّقنية إلى معلومات حديثة تجعل التّعريف لا يتجاوب مع التّطورات الحاصلة في مجال تقنية المعلومات و الاتصالات، فقد كان قاصرا على معلومات محدّدة و هو ما يتجلّى من عبارة " ذات قيمة إثباتية محّتملة" ( of potential probative value)، و كلمة "محتملة" في نظرنا تترتب عليها مسائل قانونية هامة، فمن جهة أولى تفضي الى تفادي تضييق دائرة الأدلة المعلوماتية بحصرها في تلك التي تتمتع بالقوة الإثباتية دون غيرها، في وقت تحول دون التّعميم المجرّد للمعلومات، إذ ليست كل المعلومات التي قد توجد بحوزة المتهم – بالمفهوم التقليدي للحيازة- مما له ارتباط بالواقعة الجرمية أو يفيد في إظهار الحقيقة ([4])، و هو ما يحسب للمشرع الأوروبي في هذا الصدد.
أولا: التعريف التشريعي للدليل المعلوماتي
تجنّب التّشريع الجزائري شأنه شأن معظم التشريعات المقارنة الخوض في تعريف الدليل الجنائي المعلوماتي([5])، و السبب في اعتقادنا يرجع إلى كون التّطور المتسارع الذّي تشهده تقنية المعلومات في الوقت الراهن قد يتجاوز أيّ تعريف يمكن صياغته، و على نقيض ذلك، تطرق المشرع العربي الى تعريف الدليل المعلوماتي و يأتي التشريع السوري في مقدّمة هاته التشريعات، و ذلك ضمن المرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012 المتضمن قانون تنظيم التواصل على الشبكة ومكافحة الجرائم المعلوماتية و بالتحديد بموجب المادة الأولى و التي جاء فيها "الدليل الرقمي: البيانات الرقمية المخزنة في الأجهزة الحاسوبية أو المنظومات المعلوماتية أو المنقولة بواسطتها والتي يمكن استخدامها في إثبات أو نفي جريمة معلوماتية" ([6]).
و يعاب على هذا التّعريف أنّه اتخذ من منطق تكوين الدليل المتمثّل في "البيانات" أساسا لتعريفه، فتجاهل "المعلومات" التّي تشكل عناصر الدليل المعلوماتي و التّي بدونها يفقد هذا الدليل معناه و قيمته([7])، فالبيانات تعبر عن الأرقام و الكلمات و الرموز او الحقائق او الاحصائيات الخام التي لا علاقة بين بعضها البعض و لم تخضع بعد للتفسير أو للتجهيز للاستخدام أي هي تخلو من المعنى الظاهري في اغلب الأحيان اما المعلومات فهي المعنى الذي يستخلص من هذه البيانات فالمعلومات نتجية تحليل للبيانات([8])، لذا كان الأحرى بالمشرع السوري ربط التعريف بفكرة المعلومات لأنّها تمثل الوسيلة الفعلية التي يستعين بها القاضي للوصول الى حقيقة الواقعة الإجرامية، و تظهر عدم دقة صياغة التعريف من الناحية القانونية من جهة أخرى في قصر نطاق العمل بالدليل المعلوماتي على الجريمة المعلوماتية فقط، في حين فإن دور الدليل المعلوماتي في اثبات الجريمة التقلدية لا يقل عن دوره في اثبات الجرائم المعلوماتية، لأنّه من الصعب في الواقت الراهن تصور جريمة ليس لها بعد رقمي([9]) .
و تطرق حديثا التشريع المصري إلى تعريف الدليل المعلوماتي بموجب المادة الأولى من القانون 175 رقم لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات معتبرا إياه يشمل " أيّ معلومات إلكترونية لها قوّة أو قيمة ثبوتية مخزنة أو منقولة أو مستخرجة أو مأخوذة من أجهزة الحاسب أو الشبكات المعلوماتية وما في حكمها، ويمكن تجميعها وتحليلها باستخدام أجهزة أو برامج أو تطبيقات تكنولوجية خاصة " ([10])، و الحقيقة أن هذا التعريف يفتقر الى الدقة في الصياغة اذ ورد التعريف عاما و ليس قاصرا على الدليل المعلوماتي في مجال الإثبات الجنائي كما يعاب عليه اشتراط "قوة اثباتية " للمعلومات لخلع صفة الدليل عليها، ذلك أن مسألة حجية الدليل هي أمر يخضع لتقدير القاضي و ليس لتصور المشرع.
أمّا المشرع اللبناني فهو الآخر رصد تعريفا للدليل المعلوماتي تحت مسمى" الآثار المعلوماتية " و ذلك بمقتضى المادة 121 من القانون رقم 81 لسنة 2018 المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطّابع الشّخصي كما يلي:" الآثار المعلوماتية، و التّي هي من قبيل الأدلة الرقمية أو المعلوماتية، هي البيانات التّي يرتكبها الأشخاص بصورة إرادية أو لا إرادية على الأنظمة وقواعد البيانات و الخدمات المعلوماتية والشبكات المعلوماتية، تتضمن الأدلة المعلوماتية التجهيزات المعلوماتية و البرامج و البيانات و التطبيقات و الآثار المعلوماتية و ما يماثلها" ([11]).
و يؤخذ على هذا التشريع عدم إعتماد مصطلح واحد للدلالة على الدليل المعلوماتي، و وضع مصطلحين مترادفين و هما "الآثار" و "الأدلة" و كان الأحرى تبني لفظ "الأدلة" بإعتباره المصطلح المتعمد في قانون الإجراءات الجزائية، كما أنّ المشرع اللبناني وضع مصطلح الرقمية بشكل مقابل لمصطلح المعلوماتية و بذلك يكون قد جانب الصواب، لأنّ المعلومات (informations) تستوعب الأرقام (Numbers) ([12]). كما يعاب عليه أيضا الخلط بين التجهيزات المادية و الدليل المعلوماتي عند التطرق لمضمون هذا الدليل بمناسة تعريفه، فالأدلة المعلوماتية مثل أيّ واقعة تحدث من خلال النظام الثنّائي الرقمي و هي تستقل بوجودها عن الحاسوب مشكلا في قطعه الصلبة حتّى مع الإعتّراف المسبق باستّحالة فصله عن وسيط التّخزين الذّي يحتويه([13]) .
ثانيا: التعريف الفقهي للدليل المعلوماتي
لم يتّفق الفقه الجنائي الى غاية اليّوم حول تعريف موحد للدليل الجنائي المعلوماتي، و علة ذلك هو التطور المتسارع الذي يطرأ باستمرار على طبيعة تكوين هذا النّوع من الأدلة و البيئة التّي يحيا فيها، سيما و أن العالم الافتراضي لا يزال في بداياته ولم يصل بعد الى منتهاه، ولن يكون من اليسر احتوائه، مما قد يجعل كل تعريف تتم صياغته لا يتجواب مع التطور المتلاحق للتقنية، و عموما يمكن تصور موقفين بشأن مواقف الفقه في هذا الصدد، إما تعريف الدليل بناء على طبيعة تكوينه، و إمّا ربط التّعريف بفكرة المعلومة.
أ- ربط تعريف الدليل المعلوماتي بمنطق تكوينه.
حيث يذهب الاتجاه الأول إلى أنّ منطق تكوين الدليل الرقمي هو الأساس الذّي تبنى عليه معادلة تعريفه، بحيث يُعترف فقط بالبيانات التّي تعد من طبيعة مغناطيسية و إلكترونية، و بناء عليه فالدليل المعلوماتي هو" الدليل الذّي يجد له أساسا في العالم الافتراضي و يقود إلى الجريمة"، فهو ذلك الجزء المؤسس على الاستعانة بتقنية المعالجة التقنية للمعلومات، والذي يؤدي إلى اقتناع قاضي الموضوع بثبوت ارتكاب شخص ما للجريمة. فكلما كان هناك مزج في موضوع الدليل ( الفكرة أو المعلومة كبيانات Data) بالمعالجة الآلية للمعلومات فإنّه يعد هنا دليلا رقميا([14]).
و على هدى من تلك الفكرة، يعرف الفقيه Eoghan Casey هذا الدليل بأنّه "جميع الأشياء التي تثبت وقوع ارتكاب الجريمة، أو توجد علاقة بين الجريمة و مقترفها أو توجد علاقة بين الجريمة و المتضرر منه و تتضمن تلك البيانات خليطا من الأرقام التي تمثل مختلف أنواع المعلومات بما في ذلك النصوص ، الرموز،الصور و الأصوات"([15])، أو هو يمثل "أي بيانات مخزنة أو منقولة باستخدام جهاز الحاسوب و التّي تؤكد أو تنفي كيفيّة وقوع الجريمة أو تتناول عنصرا من عناصرها الأساسية"([16])، و قد آثر هذا الفقيه استعمال مصطلح "البيانات" بدلا من المعلومات، لأن "البيانات" أكثر تجريدا من "المعلومات" بما يسمح بقدر أكبر من التعميم([17])، إلا أننا نرى خلاف ذلك فمصطلح المعلومات ادق لأن "المعلومات هي البينات التي تمت معالجتها و اصبح لها دلالة"([18])، و لا يعقل أن تقدم البيانات في طابعها الخام كدليل جنائي بل في شكل معلومات لها فائدة في اظهار الحقيقة كما عرفته المنظمة الدولية لأدلة الحاسوب (IOCE) بأنّه يمثل" المعلومات المخزنة أو المتنقلة في شكل ثنائي، و يمكن أن يُعتمَد عليها في المحكمة " ([19])، و هو يقترب من التعريف الذي جاء به الفريق الأمريكي العلمي المعني بالأدلة الرقمية ((SWGD الذي يرى بأنّ الأدلة المعلوماتية هي " المعلومات المخزنة أو المتنقلة في شكل ثنائي، ذات قيمة إثباتية" ([20])، فالدليل المعلوماتي إذن هو "بيانات يمكن أعدادها و تراسلها و تخزينها رقميا بحيث تمكن الحاسوب من تأدية مهمة ما" ([21]). و قد تعرضت هذه التعريفات الى النقد على أساس تركيزها على القيمة الاثباتية للدليل و إهمالها للعديد من أنواع البيانات التّي أفرزتها الثورة المعلوماتية([22]).
واقع الأمر أنّ الفقه الامريكي يميل الى ترجيح تعريف الفقيه Brian Carrier الذي توسع في تعريف الدليل المعلوماتي متّخذا من الخلفية العلمية للتحقيق الجنائي الرقمي أساسا تبنى عليه عملية التعريف فيرى بأنه" بيانات رقمية تدعم أو تدحض فرضية ما حول الأحداث الرقمية أو حالة البيانات الرقمية "، تأسيسا على أن التحقيق الجنائي الرقمي يقوم على صياغة و اختبار الفرضيات للإجابة على الأسئلة المثارة حول الأحداث الرقمية السابقة أو حالة البيانات الرقمية، و لا يمكن للمحققين بصفة عامة مراقبة البيانات الرقمية مباشرة. وبدلاً من ذلك، يمكنهم فقط مراقبة البيانات المعروضة على جهاز العرض أو جهاز الإخراج، بحيث يجب صياغة فرضية مفادها أن البيانات الفعلية تعادل البيانات الملاحظة. ثم يتم البحث عن بيانات تدعم هذه الفرضية أو تدحضها، و بذلك يكون موضوع الدليل المعلوماتي غير قاصر على البيانات المقدمة في مرحلة المحاكمة فقط بل هناك بيانات ذات قيمة في التحقيق تستغل من الناحية العلمية أثناء عملية التحليل الحاسوبي الشرعي و لو لم تقدم للقضاء ([23]).
و إن كان هذا التعريف أكثر توسّعا عن غيره من التعريفات السّابقة، الأ أنّه لا يركز على تعريف الدليل المعلوماتي بمفهومه القانوني، بقدر تركيزه على تحديد هذا المفهوم بمنطق علم التحليل الحاسوبي الشرعي، كما أنّه يفتقر الى قصر نطاق هذا المفهوم على موضوع الاثبات في المسائل الجنائية، إذ "الواقعة الرقمية" كما يسميها أو "حالة البينات الرقمية" ليست بالضرورة مرتبطة بالواقعة الجرمية أو تشكل ظرفا من ظروفها، فليس" الدليل الإلكتروني في جوهره مجرد واقعة يتم حفظها في ذاكرة الحاسوب"([24])، فذالك توسّع مبالغ فيه.
و في هذا الصدد يرى الفقيه Stephen Mason أنّ التعريف الجامع يجب أن تنطوي تحته كافة البيانات بمختلف صورها سواء التناظرية أو الرقمية، مخزنة أو منقولة، و أيّا كان الجهاز الذّي يخزنها أو ينقلها، على أن تكون تلك البيانات ذلك صلة بالواقعة التي يتنازع حولها الأطراف ([25]).
أما في الفقه العربي فتعددت التعريفات بين الإيجاز([26]) و التفصيل([27])، و التضييق([28]) و التوسع "([29])، حيث تم تعريفه بأنه " الدليل المأخوذ من أجهزة الكومبيوتر، و يكون في شكل نبضات مغناطيسية أو كهربائية يمكن تجميعها و تحليها، باستخدام برامج و تطبيقات و تكنولوجيات خاصة، و هو مكوّن رقمي لتقديم معلومات في أشكال متنوّعة، مثل النّصوص المكتوبة أو الصور أو الأصوات و الأشكال و الرّسوم، و ذلك من أجل اعتماده أمام أجهزة إنفاذ القانون و تطبيقه" ([30]).
حقيقة الأمر أنّ هذا التّوجه في تعريف الدليل المعلوماتي و إن حاول استيعاب جانب مهمّ من جوانب هذا النّوع المستحدث من الأدلة من حيث طبيعته و كيفيّة استخلاصه من البيئة الرقمية، إلاّ أنّه يخلط بين مفهوم الدليل المعلوماتي و المصدر الذّي يستمدّ منه، فالقول بأنّ الدليل المعلوماتي لا تثبت له هذه الصفة إلاّ إذا تمّ استخلاصه من مصدره يؤدّي إلى استبعاد العديد من الأدلة المعلوماتية من دائرة الإثبات ما لم يتم نقلها خارج الوسط الرقمي الذّي نشأت فيه، و مثل هذا القول غير صحيح على الإطلاق، لأنّ التطوّر المتسارع للتقنية تجاوز مسألة المخرجات الحاسوبية في شكلها المطبوع كدليل للإثبات الجنائي([31])، و أصبح التّعامل في الوقت الرّاهن يتّم عن طريق النّسخ الرقمي للبيانات المجرّمة التّي تشكل موضوعا للدليل الجنائي، فهذا التعريف ليس دقيقا بما فيه الكفاية من النّاحية التقّنية و ينطوي على تضييق كبير لدائرة الأدلة المعلوماتية.
ب- ربط التعريف بفكرة المعلومة
على ضوء هذه الانتقادات ذهب اتجاه آخر إلى تعريف الدليل المعلوماتي بما يتعدى منطق تكوينه و طريقة استخلاصه، إلى ربط التعريف بفكرة المعلومة، فعُرِف بكونه "معلومات يقبلها المنطق و العقل و يعتمدها العلم، يتم الحصول عليها بإجراءات قانونية و علمية بترجمة البيانات الحسابية المخزنة في أجهزة الحاسب الآلي و ملحقاتها و شبكات الاتصال، و يمكن استخدامها في أيّ مرحلة من مراحل التحقيق أو المحاكمة لإثبات حقيقة فعل أو شيء أو شخص له علاقة بالجريمة أو جان أو مجني عليه" ([32]).و يؤخذ على هذا التعريف قصر مفهوم الدليل الجنائي المعلوماتي على الدليل المشروع المستمد وفق إجراءات قانونية، و مثل هذا الأمر يقودنا إلى القول بأن الدليل الجنائي المحصل بطرق غير مشروعة لا يدخل في دائرة الأدلة الجنائية، و الحقيقة خلاف ذلك.
و في سياق مقارب عُرف بأنّه " المعلومات التّي تم الحصول عليها من الحيز الافتراضي ( نظام تخزين – نظام تراسل) و تكون في شكل مجالات أو نبضات مغناطيسية أو كهربائية يتم معالجتها بتقنيات خاصة لتنتج عنها هيئات معينة يتم ربطها بين الجريمة و الجاني و المجني عليه بطريقة لا تتعارض مع القانون" ([33]).
واقع الأمر، أن الأدلة المعلوماتية تشمل أيَّ بيانات مولّدة أو مخزّنة في شكل رقمي كلما استُخدم الحاسوب. وهي تشمل المعلومات التي يُدخلها أيُّ فرد يدويًّا في جهاز إلكتروني أو المعلومات المولَّدة في معاملة حاسوبية أو استجابة لطلب، حيث يولِّد جهاز إلكتروني معلومات كما لو كان إنساناً آليًّا أو معلومات منتَجة ومخزَّنة حيثما يعالج جهاز ما معلومات ضمن مصفوفته. ومن ثمَّ، فإنَّ الأدلة الإلكترونية هي "أيُّ معلومات مدرَجة أو مولَّدة أو محفوظة في قواعد بيانات أو نظم تشغيلية أو برامج تطبيقات أو نماذج مولَّدة حاسوبيًّا تستنبط بالاستقراء نتائج ورسائل بريد إلكتروني وصوتي بل وحتى تعليمات محتفَظاً بها في صورة خامدة ضمن مصرف ذاكرة حاسوبية"([34])، فالأدلة المعلوماتية هي "كل المواد الإثباتية التي توجد بشكل إلكتروني أو رقمي، و التي تكون مخزّنة أو عابرة، وقد تتخذ شكل ملفات حاسوبية أو مواد منقولة أو سجلات أو بيانات فوقية أو بيانات شبكية" ([35]).
و في تقدرينا فإن مرجع قصور هذه التعريفات هو الخلط بين البيانات و المعلومات، و الخطأ في تعريف الدليل الجنائي بشكل عام لربط تعريفه بقيمته الإثباتية و مشروعية تحصليه، لأنّ جوهر الدليل ( عناصره) تختلف عن القيمة الإثباتية التي يستخلصها القضاء في ضوء تقديره، و التسليم بخلاف ذلك يؤدي بنا إلى إنكار صفة الدليل على المعلومات التي تم استبعادها لشك في الموثوقية أو لعيب في المشروعية، و ذلك منحى خاطئ و مظلل. لذا نرى أن التعريف الجامع المانع لهذا الدليل يستوجب أن يُبيِّن جوهره و يوضِح هدفه و يستجلي خصائصه ([36])، فلمّا كانت المعلومات هي قِوام هذا الدليل، فإنّه في هذا المنحى يجد متّسعا له بخصوص عناصره( البيانات)، التّي يحتويها وعاؤه ( الحاسوب) ([37])، في الوقت الذّي ينبغي قصر هذا المعطى على البيانات المرتبطة بالواقعة الإجرامية و هو ما يطلق عليها بالمعلومات، لذا نرى أن الدليل المعلوماتي يشمل "أي معلومات إلكترونية تكشف حقيقة الواقعة الإجرامية بأشخاصها ".
الفرع الثاني: تحديد المصطلح الدقيق للدلالة على الدليل المعلوماتي
بعد أن فرغنا من تحديد المفهوم الدقيق للدليل المعلوماتي، وجب البحث عن " دال" لهذا المفهوم او تسمية دقيقة له للارتباط بين المصطلح و المفهوم، خاصة و أن النماذج المعروضة لتعريفات الدليل المعلوماتي سواء التشريعية او الفقهية تكشف عن تعدد المصطلحات المستخدمة للدلالة عليه، فهو يوسم بـ "الدليل الرقمي" la preuve numérique، و "الدليل الإلكتروني" La preuve électronique ، و "الدليل المعلوماتي" la preuve informatique ([38]). و يثور التساؤل في ضوء ذلك عما إذا كان هناك فارق بين هذه المصطلحات أم هي مترادفة المعنى؟ و أي المصطلحات أدق في الدلالة عليه؟
في إجابته على هذا التساؤل يرى الفقه المقارن أنّ هناك فارق بليغ بين الدليل الرقمي و الدليل الإلكتروني فالدليل الرقمي هو الدليل الذي ينشأ في الأصل" موّلد رقميا" بواسطة الحاسوب أو أيّ جهاز آخر مماثل، أما الدليل الالكتروني فله مدلول أوسع من ذلك، لأنّه لا يشمل الأدلة الرقمية فقط بل يمتد يشمل أيضا الأدلة المادية أو الأدلة التقليدية (غير الإلكترونية) التي تخضع للرقمنة فيما بعد، كسلاح القتل أو بقدم دم الضحية و التي يمكن ترقيمها عن طريق إلتقاط صورة لها، فالدليل الإلكتروني يشمل "الأدلة الموّلدة رقميا" “born digital” وكذلك "الأدلة غير الموّلدة رقميا"“Not born digital” و تمّت رقمنتها لاحقا ([39]).
و هناك جانب من الفقه العربي يميّز بين الدليل الإلكتروني و الدليل الرقمي على سند من القول بأن الدليل الالكتروني يمثل "جميع الأجهزة التي يمكن أن تخزن أو تعالج أو ترسل أو تستقبل معلومات رقمية"، أما الدليل الرقمي فيشمل " جميع المعلومات المخزنة في الأجهزة الالكترونية و يشمل ذلك جميع أنوع الوثائق و الصور و الملفات الصوتية و المرئية و البرامج التي يتم العثور عليها في الحاسب الآلي أو وسائط التخزين أو أي أجهزة إلكترونية أخرى و التي تم ضبطها في مسرح الجريمة "، بحيث يلزم لوجود دليل رقمي وجود دليل الكتروني، على اعتبار و أنّ الدليل الإلكتروني يعد بمثابة حاوية للدليل الرقمي، و الفرق بينهما أن حيازة الدليل الإلكتروني قد تكوّن جريمة بحدّ ذاتها أو دليلا على ارتكاب الجريمة كأجهزة التشفير فهي دليل على التخفي أثناء ولوج شبكة المعلوماتية، كما أن الدليل الرقمي يكون داخل الدليل الإلكتروني مثل وجود معلومات محظورة داخل جهاز الحاسب الآلي كالصور الداعرة للأطفال القصر أو البرامج المنسوخة، ففي العديد من القضايا تتضافر الأدلة الرقمية مع الأدلة الالكترونية لإثبات التهمة أو نفيها([40]).
و بدون تردد فإننا نرى أنّ أساس هذا التمييز يتجاهل الفارق بين القطع الصلبة و المعلومات، "فالقطع الصلبة مجرد حاوية لتخزين الدليل المعلوماتي و ليست دليلا بحد ذاتها" ( The hardware is merely a storage container for evidence, not evidence itself) ([41])، فالدليل المستهدف بالتنقيب و التحقيق و الجنائي هو الملف الالكتروني الذي يشكل موضوعا للدليل الجنائي، و إن كان هذا الدليل لا ينفصل بحكم طبيعته على وسيلة تخزينه، فإنّ ذلك لا يعجل منه دليلا معلوماتيا و لا يخرجه من دائرة الأدلة التقليدية المادية و مثال البصمة الموجودة على لوحة المفاتيح تبقى ضمن طائفة الأدلة التقلدية مهما كانت درجة ارتباطها بالدليل المعلوماتي([42])، و حجتنا في ذلك أن نسخ المعلومات على جهاز مادي آخر لا يقلل من حجيتها، بل و يمكن في الكثير من الأحوال استرداد الأدلة المعلوماتية عن بعد في الحالة التي تكوين فيها هذه البيانات مخزنة في الحوسبة السحابية و الاستغناء تماما عن الجهاز المادي المستعمل في الجريمة و مثال ذلك الأدلة المستمدة من تطبيقات التواصل الاجتماعي، بحيث يكون الجهاز المادي مجرد نافذة للوصول اليها و لا يستتبع فقدانه استحالة استرجاع الدليل المعلوماتي.
و من هذا المنطلق نجد أنّ المشرع الأِوروبي درج على استعمال لفظ "الدليل الالكتروني" في التوصية رقم 95 في البند رقم 13 التّي تم إعدادها من قبل لجنة وزراء أوروبا في الحادي عشر من شهر سبتمبر1995 المتعلقة بضرورة تعديل الإجراءات الجنائية بما يتواءم مع التكنولوجيا الحاسوبية ([43])، و كذلك تم استعماله ضمن المادة 14 من الاتفاقية الأوربية لمكافحة الجرائم المعلوماتية، و حافظ على ذات المصطلح ضمن مقترح البرلمان الأوروبي رقم 0108/2018 المتعلق بأوامر إنتاج و حفظ الأدلة الجنائية الإلكترونية بين دول الاتحاد الأوربي([44])، و نفس المصطلح تبنّاه المرشد الفيدرالي الأمريكي لتفتيش و ضبط الحواسيب وصولا للدليل الإلكتروني في التحقيقات الجنائية ([45]).
و على العكس من ذلك، هناك اتجاه أخر يؤيد خلع صفة الرقمية على الدليل المعلوماتي بحجة أنّ التفوق اليوم للرقمية ([46])، و هي ذات الحجة التي تسند إليها كل من المنظمة الدولية للمعايير (ISO) و اللجنة الكهروتقنية الدولية (IEC) في تفضيلهما لهذا المصطلح الذي يشير وفق تصورهما إلى البيانات الموجودة بالفعل في شكل رقمي باستثناء البيانات الأخرى التي تم تحولها فيما بعد إلى بيانات رقمية ([47])، و ينفرد التشريع السوري و المصري من بين التشريعات العربية بتبنيهما لهذا المصطلح صراحة ضمن تشريعاتها المتعلقة بمكافحة الجرائم المعلوماتية ([48]).
و بالنسبة إلى القضاء فإن حداثة اللجوء إلى هذا الدليل تجعله يتردد في استعمال مصطلح معين على الرغم من الاعتداد به لتكوين قاعدة الإدانة و البراءة، و نجد أن القضاء في المملكة العربية السعودية يميل نحو استعمال لفظ الدليل الرقمي و هو ما تجسد بقرار حديث صادر عن الهيئة العامة للمحكمة العليا بالسعودية بتاريخ 12 جانفي 2018 تحت رقم 34 جاء فيه " إن الدليل الرقمي حجة معتبرة في الإثبات متى سلم من العوارض ويختلف قوة وضعفًا حسب الواقعة وملابساتها وما يحتف بها من قرائن"([49])، و لا يوجد لهذه المصطلح أو غيره موقعا له في القضاء الجزائري إلى غاية اليوم([50]).
مع أن لكل تسمية من هذه، يمكن أن يجد لها مستخدمها ما يسوغ إطلاقها، إلاّ أنّ كليها محل نظر في تقدرينا، فكل من الرأي الأول و الثّاني يستمد مقوّماته من منطق الرقمية، مهملا ما يجب أن يكون عليه مدلول المصطلح من جمع بين البعدين التقني والقانوني، باستخدام مصطلح ترقى دقته ووضوحه لما هو مطلوب في القانون الجنائي الإجرائي، فسواء كان الدليل رقميا " موّلد رقميا "، أو إلكترونيا " غير موّلدة رقميا " و تمت رقمنته لاحقا، ففي الأخير يصبح كليها من طبيعة رقمية، تلك الطبيعة التيّ تعبر عن حالة البيانات في وضعها الخام كتعداد غير محدد لأرقام ثنائية لا يفهما سوى الحاسوب و يتم استردادها كمخرجات في شكل نصوص و صور ثابتة و متحركة و صوت و أرقام و حروف و رموز و إشارات بعد معالجتها لتصبح في شكل معلومات تنبئ عن حقائق معينّة لها دلالة مفيدة في كشف الحقيقة و تلك هي الغاية المرجوة من الدليل الجنائي ([51]).
و بطبيعة الحال فإنّه لا يمكن تقديم البيانات في وضعيتها الرقمية كدليل جنائي، بل تُقدم في شكل معلومات تحمل تسجيلا مجردا للواقعة الرقمية أو الالكترونية و تفسيرا لها، أي تصبح المعلومات – إن جاز القول- بمثابة "بيانات عن البيانات"، و في هذه المرحلة تتخذ المعلومات صورة "مرئية "على جهاز العرض منبئة عن حقيقة الواقعة الجرمية من زوايتين احداهما مادية تتصل بمادية الواقعة او معلوماتية ترتبط بحالة البيانات الرقمية، و الأخرى شخصية تتعلق بشخص الجاني، فالمعلومات أعم و أدق في دلالها، لذا نرى الإصرار على دِقّة مصطلح "الدليل المعلوماتي" دون غيره من الألفاظ المستعملة في تسميته ([52])، و قد اعتمد المشرع اللبناني هذا اللفظ ضمن القانون رقم 81 لسنة 2018 و المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، دون غيره من التشريعات العربية على أنّه استعمل أشار أيضا إلى مصطلح الدليل الرقمي([53]).
المطلب الثاني: خصائص الدليل الجنائي المعلوماتي
يتميز الدليل الجنائي المعلوماتي بعدة خصائص تميزه عن غيره من الأدلة التقليدية، تقوم على مدى ارتباطه بالبيئة التي يحيا فيها، و هي البيئة الافتراضية بحيث يقتضي استرداه اللجوء إلى وسائل علمية و تلك أول خصائه، كما أن طبيعته تكوينه تجعله معنويا غير ملموس Intangible وبالتالي تعد الخصيصة الثانية له، علاوة على ذلك فإن هذا التكوين الرقمي الثنائي سريع التطور و بذات الوقت يصعب التخلص منه، و تلك هي الخصية الثالة و الرابعة التي تجعل هذا الدليل له طبيعة مختلفة تماما عن الأدلة المادية، بما ينبغي استجلاء حقيقتها بنوع من التفصيل على النحو الذي يحقق إمكانية التعامل القانوني معه:
أولا : الدليل المعلوماتي دليل علمي
الدليل المعلوماتي عبارة أن آثار رقمية يتركها الجاني في مسرح الجريمة تعكس ظروف ارتكاب الفعل الجرمي و تفسر أساليب اقترافه، و هذه البصمات (digital print) ذات مبنى علمي خالص بحكم منشئها في هذه البيئة، ذلك ما يجعل الدليل المعلوماتي عصي على غير المتخصص من استرجاعه أو الاطلاع عليه([54])، إذ يستلزم تحصيله استعمال أساليب علمية بالغة التعقيد تتسارع في تطورها بدرجة تطور طرق ارتكاب الجريمة. فهو دليل يحتاج إلى قدر من التجاوب مع البيئة التقنية، وهذا يعني إنه كدليل يحتاج إلي بيئته التقنية التي يتكون فيها لكونه من طبيعة تقنية المعلومات ([55]). فهو مستمد مما يصنعه أهل علم الحاسوب من أراء و استنتاجات علمية على ضوء ما يتم الوصول إليه من برامج و أجهزة تقنية،إذ يعد من طائفة ما يعرف بالأدلة المستمدة من الآلة ([56]).
و من هنا نخلص - من باب المنطلق و الزوم- أنّ هذه الخاصية تجعل الدليل المعلوماتي يخضع للقاعدة العامة التي يخضع لها الدليل العلمي و هي لزوم تجاوب الدليل العلمي مع الحقيقة كاملة وفقا للتوجهات الفقهية الحديثة التي ترفض ما استقر تقليديا في الأذهان من كون "القانون مسعاه العدالة أما العلم فمسعاه الحقيقة " (Law seeks justice,Science seeks truth)، فلكل من القانون و العلم هدف واحد و هو الوصول إلى الحقيقة و إن اختلفت شروط اعتماد الدليل العلمي من حيث ضرورة موثوقيته و مشروعية تحصليه من الناحية القانونية و دقة تقنيات و تحاليل استخلاصه من الناحية العلمية، يبقى الترابط واضحا بين تقصي الحقائق القانونية والعلمية ([57]).
وإذا كان الدليل العلمي له منطقه الذي يجب ألا يخرج عليه من حيث يجب عدم تعارضه مع القواعد العلمية السليمة، فإن الدليل المعلوماتي له ذات الطبيعة، إذ يجب ألا يخرج الدليل العلمي عما توصل إليه العلم الرقمي وإلا فقد معناه. وعدم الخروج عن متطلبات العلم الرقمي لا يعني أن هناك قواعد جامدة يرتبط بها هذا الدليل من حيث طبيعته العلمية، وإنما يجب الأخذ في الاعتبار أن العلم الرقمي هو علم متطور جدا، بل إنّه يجد ذاته في قدرته الكبيرة على التطور الذّاتي المستمر، سيما من حيث كونه لا يستجيب للقاعدة التقليدية، حيث إنّه يمكن أن يكون هناك خبراء في العالم الرقمي لم يتم أي منهم منهج دراساته التقليدي المتبع في التدريس، ولا يملك الشهادات والدرجات العلمية أيضا ومع ذلك برعوا في العلم الرقمي وأصبح كل منهم خبيرا فيه ([58]).
ثانيا : الدليل المعلوماتي من طبيعة تقنية متطورة
و تسمى هذه الطبيعة بالطبيعة الثنائية للدليل المعلوماتي و مفاد ذلك أن هذا الدليل يتكون من تعداد غير محدود لأرقام ثنائية في هيئة الواحد و الصفر ( 1-0) و التي تتميز بعدم التشابه فيما بينها رغم وحدة الرقم الثنائي الذي تتشكل منه، فمثلا البيانات المخزنة في الحاسوب سواء كانت في شكل نصوص أم حروف أم صور ليس لها الوجود المادي الذي عرف في شكل ورقي و إنما هي مجموعة من الأرقام ترجع الى أصل واحد ([59]).
هذا الذي يجعل الدليل المعلوماتي ذو طبيعة تقنية و فنية و كيفية معنوية غير ملموسة، لا يدرك بالحواس الطبيعية و يتطلب إدراكه الاستعانة بأجهزة و معدات و أدوات الحاسبة الآلية و استخدام نظم برامجية حاسوبية، و هو على الهيئة المار بيانها عبارة عن مجالات مغناطيسية كهربائية، و من ثم فإن ترجمة الدليل المعلوماتي و إخراجه في شكل مادي ملموس لا يعني أنّ هذا التجميع هو الدليل، فهي العملية لا تعدو أن تكون مجرد نقل لتلك المجالات من طبيعتها الرقمية إلى الهيئة التي يمكن الاستدلال بها على معلومة معينة ([60]).
فالدليل المعلوماتي ليس مثل الدليل التقليدي، إذ لا تنتج التقنية سكينا يتم به اكتشاف القاتل أو اعترافا مكتوبا أو مالا قي جريمة الرشوة أو بصمة إصبع … الخ. و إنما ما تنتجه التقنية هو نبضات رقمية تتشكل قيمتها في إمكانية تعاملها مع القطع الصلبة التي تشكل الحاسوب على أية شاكلة يكون عليها. ومن ثم فإن إطلاق الصفة الرقمية إنما تعني إنه ينبغي أن يكون هناك توافق بين الدليل المرصود وبين البيئة التي يعيش فيها، ومثل هذا الأمر يجعلنا نقرر إنه لا وجود للدليل المعلوماتي خارج بيئته التقنية أو الرقمية، و إنما يجب لكي يكون هناك دليل وجب أن يكون مستوحى أو مستنبطا أو حتى مستجلب من بيئته التي يعيش فيها وهى البيئة الرقمية أو التقنية ([61])، فهناك توافق بين هذا النوع من الأدلة و بيئة تقنية المعلومات إذ لا وجود لهذا الدليل خارج بيئة التقنية([62]).
ثالثا : الدليل المعلوماتي مفهوم يحتوي التنوع والتطور
توصلنا فيما سبق إلى أن مصطلح الدليل المعلوماتي يشمل كافة أشكال وأنواع البيانات الرقمية الممكن تداولها رقميا، بحيث يكوّن بينها وبين الجريمة رابطة من نوع ما، و تتصل بالضحية على النحو الذّي يحقق هذه الرابطة بينها و بين الجاني، بما يقيم علاقة أساسية بين البيانات الرقمية و بين الدليل المعلوماتي، لكون هذا الأخير إنّما هو القالب الذّي يحتوي في داخله مجموعة البيانات الرقمية، فإنّ ذلك يعدّ تعبيرا عن اتّساع قاعدة الدليل المعلوماتي، و بحيث يمكنه أن يشمل أنواعا متعددة من البيانات الرقمية تصلح منفردة أو مجتمعة لكي تكون دليلا للإدانة أو للبراءة. إذ يشمل هذا التنوع من البيانات الرقمية مظاهر عدة، كأن يكون هذا المحتوى معلومات متنوعة تتضمن نصوصا وصور وسمعيات و مرئيات([63]).
وعلى الرغم من كون أساس تكوين الدليل المعلوماتي واحد و هو لغة الحاسوب أو الرقمية إلا أنه قد يتخذ أشكالا مختلفة و متنوعة فقد يكون واضحا و مقروءا و مفهوما للبشر كما لو كانت وثيقة مكتوبة و معدة بنظام المعالجة الآلية، بيد أنّه قد يتخذ أشكلا أخرى مبهمة و غامضة كالأدلة المتمثلة في إشارات رقمية يتم الحصول عليها من خلال المراقبة عبر الشبكات أو من خلال القائمين على تقديم خدمات الاتصال الالكتروني عن بعد، و هذه الصورة هي التي تعبر عن التطور المستمر للأدلة المعلوماتية بسبب تطور علم المعالجة الآلية للبيانات([64]).
فقابلية الدليل المعلوماتي للتطور تبقى متواصلة نظرا لارتباطه الوطيد بالطبيعة المتغيرة و المتجددة التي تتمتع بها تكنولوجيات الإعلام و الاتصال([65])، و المتأمل لهذه الخاصية يستخلص انعكاساتها فيما تطرحه من تحديات للوصول إلى الدليل، إذ ينعقد الإجماع لدى خبراء التحليل الحاسوبي على ضرورة مواكبة التطور الحاصل في مجال تقنية المعلومات لمواجهة الإجرام المعلوماتي على شبكة الانترنت من خلال التوصل إلى تقنيات فعّالة للحفاظ على الأدلة على مدى فترات طويلة من الزمن، و تحقق أيضا فعّالية في تحليل البيانات و تطوير نظريات التحليل الحاسوبي الشرعي في المستقبل([66]). لذلك يجب العمل على سد الفجوة بين ما هو متاح و بين ما هو ضروري، بغية معالجة هذا التنوع و التطور المتواصل للبيانات الرقمية، ففي الوقت الرّاهن فإنّ أدوات المعالجة المختلفة لتفسير البيانات لا تزال محدودة، حيث أّنه ليس بإمكانها تفسير جميع أنواع البيانات و هي الحقيقة التي أكدها الفريق العامل المعني بتنسيق و تخزين الأدلة الرقمية المشتركة ([67]).
([1]) و هذا المسلك واضح من خلال المادة الأولى لأهم لاتفاقيات الدولية المتعلقة بمكافحة الجرائم المعلوماتية و هي:
- الاتفاقية الأوروبية لمكافحة الجرائم المعلوماتية و المسماة "بإتفاقية بودابست" التي تم اعتمادها و تقريرها التفسيري من لدن لجنة وزراء مجلس أوروبا في دورتها التاسعة بعد المائة( 8 نوفمبر 2001) و فتح باب التوقيع على الإتفاقية في بودابست المجرية في 23 نوفمبر 2001 بمناسبة المؤتمر الدولي حول الجريمة الإلكترونية .
- اتفاقية الاتحاد الإفريقي بشأن أمن الفضاء الإلكتروني و حماية البيانات ذات الطابع الشخصي، التي تم اعتمادها في الدورة العادية الثالثة و العشرون لقمة رؤساء و حكومات الإتحاد الإفريقي المنعقدة في ملابو ، غينيا الاستوائية، بتاريخ 27 يونيو 2014.
- الاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات التي اعتمادها من قبل مجلسا وزراء العرب و الداخلية بتاريخ 21-12-2010 و تم المصادقة عليا من طرف الجزائر بموجب المرسوم الرئاسي رقم 14/252 المؤرخ في 08 سبتمبر 2014، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 57 ، بتاريخ 28 سبتمبر 2014.
([2]) يطلق لفظ Evidence اختصارا لتسمية الاتفاقية الأوربية لتبادل المعلومات و الأدلة و هي:
"European Informatics Data Exchange Framework for Courts and Evidence"
)[3]( Electronic evidence is " any information (comprising the output of analogue devices or data in digital format) of potential probative value that is manipulated, generated through, stored on or communicated by any electronic device", The European Evidence project,"European Informatics Data Exchange Framework for Courts and Evidence" ( Grant Agreement Number 608185),p 7.[Available online].Retrieved April 3,2019,from file:///C:/Users/toshiba/Downloads/evidence-ga-608185-d3-1-411.pdf.
([4]) قد تظهر بساطة المعنى الظاهري للنص، إلاّ أنّ المتأمل لصياغته يجده يعني الكثير بمنطق بسيط جدا، فهو يمتاز بدقة متناهية، و يميل الى تأمين حماية فاعلة، بالتفات المشرع إلى روح تلك المعاني الشمولية المترابطة وغاياتها، فقصر نطاق عناصر الدليل على المعلومات التّي يُحتمل أن تكون لها قيمة إثباتية، و تلك عبارة تفيد بمفهوم المخالفة استبعاد المعلومات التي يرجح عدم إنتمائها إلى عناصر للدليل الجنائي من نطاق الإجراءات الجنائية – التي تشكل قيدا على الحرية الفردية- كقاعدة عامة، و كأنّ المشرع أراد بذلك أن يرصد نطاق العلاقة بين الحقوق المعلوماتية و إجراءات استخلاص الدليل من منطلق مبدأ عتيد في الإجراءات الجنائية التقليدية و هو" مبدأ العلاقة الكاشفة" Principe of Relevance و هذا النهج الفلسفي القائم على الالتزام بصون الحريات الفردية في تحصيل الدليل المعلوماتي و الذي يعرف "بالشرعية الإجرائية المعلوماتية" هو محل استفهام لدى فكر الإثبات التقليدي لعدم وجود استقرار قانوني أو قضائي يضمن التفاعل بين الإجراء الجنائي و البيئة المعلوماتية على النّحو الذي يوجد عليه الدليل المادي، و ذلك هو مبنى الخلاف.
([5]) واقع الأمر أنه يجب على المشرع تجنب إيراد التعريفات إلا للضرورة القصوى، إذ ليس من وظيفة المشرع إيراد تعريفات إلا في حالتين هما: إن يكون غرض التعريف حسم خلاف فقهي قائم، أو أن يكون هذا التعريف مغايرا لمعنى مستقر، ذلك لأن للتعريف أضرار في بعض الأحيان لأنه يقيد القاضي و يسلب منه حرية الحركة في التقدير، و مع ذلك فإذا كان التشريع حديثا و يتناول في أحكامه مجموعة من المصطلحات الجدية و الفنية فقد يكون إيراد التعريف أمرا مقبولا.
يراجع بهذا الخصوص: عصمت عبد المجيد بكر، مشكلات التشريع دراسة نظرية و تطبيقية مقارنة، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان،2013، ص 196.
([6]) المرسوم التشريعي السوري رقم 17 لسنة 2012 المتعلق بتطبيق أحكام قانون التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية الصادر بالجريدة الرسمية عدد ............ بتاريخ 15 فيفيري 2012.
([7]) هناك فارق بليغ بين البيانات و المعلومات ، فوفقا للمادة الأولى من القانون الجزائري رقم 09-04 المؤرخ في 5 أوت 2009 المتضمن القواعد الخاصة للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيا الإعلام و الاتصال و مكافحتها و الذي دخل حيز النفاذ بموجب الجريدة الرسمية عدد 47، الصادرة بتاريخ 16 أوت 2009 تُعرّف المعلومات بأنها" أيّ عملية عرض للوقائع و المعلومات و المفاهيم في شكل جاهز للمعالجة داخل منظومة معلوماتية، بما في ذلك البرامج المناسبة التي من شأنها جعل منظومة معلوماتية تؤدي وظيفتها"، أما مصطلح البيانات ينصرف بصفة عامة إلى الحقائق أو الأرقام أو الحروف أو الرموز التي تشير أو تصف موضوعا ما أو فكرة أو حالة أو أية عوامل أخرى. ومعنى ذلك أنّ البيانات تكون عبارة عن تمثيل أو تصوير للحقائق أو المفاهيم أو التعليمات في شكل معياري يناسب عملية اللإتصال أو الإنتقال أو الترجمة أو المعالجة بواسطة الحاسب، أما المعلومات فهي النتائج النهائية لهذه العمليات، فإذا كانت البيانات بمثابة المدخلات للحاسب فإنّ المعلومات بمثابة المخرجات، و إذا كانت البيانات هي المادة الخام التّي تنقل أو تعالج بوسائل أوتوماتيكية فإنّ المعلومات هي النتائج التّي يمكن الحصول عليها من هذه البيانات.
لمزيد من التفصيل راجع: هلالي عبد الله أحمد، المواجهة الجنائية لجرائم المعلوماتية في النظامين المصري و البحريني على ضوء اتفاقية بودابست، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، مصر، 2014، ص45 - 46.
([8]) طارق إبراهيم الدسوقي، الامن القانوني النظام القانوني لحماية البيانات، بدون رقم الطبعة، دار الجامعةالجديدة ،مصر، 2015، ص 42.
)[9]( Eoghan Casey, Digital Evidence and Computer Crime - Forensic Science, Computers and the Internet, Academic Press, London, 2000, p 3.
([10]) القانون المصري رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالجريدة الرسمية عدد 32 مكرر (ج) بتاريخ 14 أوت 2018.
([11]) القانون اللبناني رقم 81 لسنة 2018 و المتعلق بالمعاملات الإلكترونية والبيانات ذات الطابع الشخصي، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 45 بتاريخ 18 أكتوبر 2018
([12]) ترتيل تركي الدرويش، القواعد الإجرائية الخاصة بالدليل المعلوماتي في لبنان، مجلة الحقوق و العلوم السياسية، الجامعة اللبنانية، لبنان، المجلد 03، العدد 23، 2019، ص 122.
([13]) يلاحظ أيضا أن صياغة التعريف غير دقيقة من حيث الألفاظ المستعملة، إذ جاء تعريف الأدلة المعلوماتية في عبارة هي" البيانات التّي يرتكبها الأشخاص بصورة إرادية أو لا إرادية على الأنظمة وقواعد البيانات و الخدمات المعلوماتية و الشبكات المعلوماتية" فالمعنى الظاهري النص يوحي إلى المخاطب به انصراف نية المشرع إلى تعريف الجريمة المعلوماتية و هو ما يفهم من لفظ "يرتكبها" لأن الدليل الجنائي واقعة مادية تكشف صلة الجريمة بمقترفها و هي بذلك تشكل أثرا لواقعة مادية أخرى نشأت من خلالها ممثلة في الواقعة الجرمية، "فالدليل أثر يترك "و " ليس فعل يرتكب"، ما يجعل مدلول اللفظ يخالف أصلا قصد المشرع منه، لذا يحسن بالمشرع مراجعة صياغة التعريف منعا من الوقوع في الخلط بين الدليل المعلوماتي و بين الجريمة المعلوماتية.
([14]) عمرو محمد أبو بكر بن يونس، الجرائم الناشئة عن استخدام الإنترنت، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة عين شمس، مصر، 2004، ص969.
)[15]( The definition given by E. Casey, refers to digital evidence as: "Physical objects that can establish that a crime has been committed, can provide a link between a crime and its victim, or can provide a link between a crime and its perpetrator." . Eoghan Casey, op cit ,p 260.
)[16]( Eoghan Casey, Susan W. Brenner, Digital Evidence and Computer Crime - Forensic Science, Computers and the Internet, 3rd Edition, Academic Press, London, 2011, p 7.
)[17]( Shahzad Saleem, Protecting the Integrity of Digital Evidence and Basic Human Rights During the Process of Digital Forensics, philosophy doctoral thesis, Stockholm University ,Sweden, 2015, p 22.
([18]) المادة الأولى من القانون الأردني رقم 27 لسنة 2015 و المتعلق بالجرائم الإلكترونية، الصادر بالجريدة الرسمية عدد 5343 بتاريخ 04 ماي 2015.
)[19]( The definition proposed by the International Organization of Computer Evidence (IOCE) states: "Digital evidence is information stored or transmitted in binary form that may be relied on in court." Mattia Epifani, Pasquale Stirparo ,Learning iOS Forensics, First published, Packt Publishing, England,2015,p 9.
)[20]( Standard Working Group on Digital Evidence (SWGDE), stating that: "Digital evidence is any information of probative value that is either stored or transmitted in a digital form" . Mattia Epifani, Pasquale Stirparo, op cit, p 10.
([21]) و هو التعريف الذي أخذ به التقرير الأمريكي المقدم ضمن ندوة الأنتربول حول الدليل المعلوماتي المنعقدة سنة 2001 بمدية ليون بفرسنا ورد فيه :
“Digital Evidence: Information of probative values stored or transmitted in digital form.”. Report on Digital Evidence - Prepared by: Mark M. Pollitt, BS, Unit Chief Computer Analysis Response Team - FBI Laboratory , Washington, DC, USA, 13th INTERPOL Forensic Science Symposium, Lyon, France, October 16-19 2001.p5.
)[23]( digital evidence is: "Digital data that supports or refutes a hypothesis about digital events or the state of digital data".Carrier Brian, A hypothesis-based approach to digital forensic Investigations, , philosophy doctoral thesis, Purdue University, United States of America, 2006,pp 12-13.
)[24]( Mark Krotoski, Effectively Using Electronic Evidence Before and At Trial, United States Attorneys Bulletin, Vol. 59 no. 6, 2011, p. 53.
)[25]( Stephen Mason , Daniel Seng, Electronic Evidence , Fourth edition published by the Institute of Advanced Legal Studies for the SAS Humanities Digital Library, School of Advanced Study, University of London, 2017,p 21.
([26]) فعرفه البعض بإيجاز بأنه" الدليل الذي يحتاج إلى معالج رقمي لقراءته و فهم محتواه"، راجع: حازم محمد حنفي عثمان، الدليل الالكتروني و دوره في المجال الجنائي، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة القاهرة، مصر، 2016، ص 11.
([27]) و عرفه البعض الآخر بشيء من التفصيل بأنّه يشمل"أيّ معلومات أو بيانات مخزنة أو منقولة في المجال الرقمي تكون دالة على ارتكاب فعل مجرّم أو مرتكب ذلك الفعل أو شريك له أو تحوي دليل براءة على فعل ما، و يمكن العثور على تلك المعلومات أو البيانات بجهاز الحاسوب الشخصي أو المكتبي أو الهاتف المحمول، أو آلات التصوير الرقمي أو أي جهاز رقمي آخر تم ربطه بوحدات الاتصال المختلفة أو شبكات الاتصال المعلوماتي".راجع : خليفة محمد صالح جاد المولي، الدليل الرقمي وحجيته في إثبات جرائم المعلومات، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة طنطا، مصر، 2018، ص 36.
([28]) فقيل بأن الدليل المعلوماتي هو " الدليل المشتق من أو بواسطة النظم البرامجية المعلوماتية الحاسوبية، و أجهزة و معدات و أدوات الحاسب الآلي، أو شبكات الاتصال من خلال إجراءات قانونية و فنية، لتقديمها للقضاء بعد تحليلها علميا أو تفسيرها في شكل نصوص مكتوبة أو رسومات أو صور و أشكال و أصوات لإثبات وقوع الجريمة لتقرير البراءة أو الإدانة فيها" راجع: محمود عبد الحميد عبد المطلب، البحث و التحقيق الجنائي الرقمي في جرائم الحاسب الآلي و الإنترنت، دار الكتب الجامعية، مصر، 2006، ص 24
([29]) فعرف بكونه " مجموعة الوسائل الالكترونية المتعددة و المتكاملة غير المحسوسة القابلة للتحليل ذاتت الدلالة و البرهان الجنائئي الذي يصل الى حد اليقين أو غلبة الضن اللازم لكسف الحقيقة في القضايا الجنائية الالكترونية". كذلك احمد بن عبد الله الرشودي، جدية الوسائل الالكترونية في الابات الجنائي دراسة تأصيلية مقارنة، رسالة دكتوراه، كلية الدراسات العليا جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الممكلة العربية السعودية، 2008، ص 251.
([30]) عبد الناصر محمد محمود فرغلي، عبيد سيف سعيد المسماري،" الإثبات الجنائي بالأدلة الرقمية من الناحيتين القانونية و الفنية دراسة تطبيقية مقارنة" ورقة بحث مقدمة للمؤتمر العربي الأول لعلوم الأدلة الجنائية و الطب الشرعي، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، المنعقد بالرياض، في الفترة 2-4/11/2007، ص 13.
([31]) تشير مقدمات التعامل مع الدليل المعلوماتي بكونه يعبر عن تجاوب متكامل يتطور بسرعة كبيرة جدا، فبعد أن كان الدليل الصامت يشير إلى ما يمكن الحصول على نسخة منه بطريق الطباعة Print – out ، وهو ما يسمى بمخرجات الحاسوب مثل الوثائق Document و الصور Pics .. الخ، فإن التطور اقتضى أن يكون له منطق أخر الآن يُعبّر عنه التطور ذاته الذي تنتجه تقنية المعلومات، وهو المظهر التقني المعلوماتي المتسم بالحركية والذكاء، و من ثم فإن موضوع إمكان اعتبار الدليل المعلوماتي بالمفهوم التقليدي – بطريق الطباعة، وعداد هذه المخرجات أدلة تأخذ بها المحاكم في القانون المقارن، يبدو أنه قد أضحى تاريخا إذا علمنا أن التطور قد فرض نوعية أخرى ذكية وحركية تندرج في الدليل الرقمي وتُعد أحد أشكاله الجديدة، مثلما هو الحال في نوعية الملفات التي تحتوي في موضوعها ما هو غير معد للطباعة، كتلك التي يتم إعدادها في الحاسوب للقيام بالربط بين الحواسيب، وكذلك تلك التي تتولى الربط بين الخوادم عبر الشبكات الخاصة. فاليوم لم يعد الأمر مرتبطا بفكرة الحاسوب الشخصي PC بل تطورت التقنية لتضع لنا، فضلا عن تطوير الحاسوب الشخصي ذاتهPC ، بإضافة إمكانيات ضخمة إليه ، نظم الشبكات Networks والمعالج التوزيعي Distributed processing ثم أخيرا الانترنت. راجع ، عمرو محمد أبو بكر بن يونس، المرجع السابق، ص969.
([32]) محمد الأمين البشري، التحقيق في الجرائم المستحدثة، الطبعة الأولى، منشورات جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض، 2004، ص 234.
([33]) و ترى الباحثة أن أهمية تعريفها تبدو من وجهين: الأول التمييز بين الأثر الفيزيائي و الأثر الإلكتروني للمعلومات في نظام المعالجة الآلية، فالآثار الفيزيائية تكون موجودة على القرص الصلب على شكل كهرومغناطيسي أو موجودة بشكل مؤقت في ترانزستورات الذاكرة المؤقتة أو موجودة في الأطياف الكهرومغناطيسية في الكوابل أما الآثار الإلكترونية فهي تفسير لهذه الآثار بواسطة أدوات و برمجيات خاصة. و الثاني أن نطاق الدليل المعلوماتي لا يقتصر على الجرائم المعلوماتية أو الالكترونية و إنما يمتد ليشمل طائفة الجرائم التقليدية التي يتم تنفيذها بمساعدة النظم المعلوماتية. لمزيد من التفصيل راجع: رشيدة بوكر، الحماية الجزائية للتعاملات الإلكترونية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق و العلوم السياسية، جامعة الجيلاني اليابس سيدي بلعباس، 2017، ص 396.
([34]) الفريق العامل المعني بالتعاون الدولي "جمع وتبادل الأدلة الإثباتية الإلكترونية"، مؤتمر الأطــراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، المنعقد بفينا، في الفترة :27 و28 أكتوبر 2015، رقم الوثيقة CTOC/COP/WG.3/2015/2، ص 1.
([35]) مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، دراسة شاملة عن مشكلة الجريمة السيبرانية والتدابير التي تتَّخذها الدول الأعضاء واﻟﻤﺠتمع الدولي والقطاع الخاص للتصدِّي لها،" تقرير فريق الخبراء المعني بإجراء دراسة شاملة عن الجريمة السيبرانية والتدابير التي تتخذها الدول الأعضاء والمجتمع الدولي والقطاع الخاص للتصدي لها"، مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، منظمة الأمم المتحدة، فيينا، بتاريخ 25-28 فيفيري 2013 ، وثيقة رقم UNODC/CCPCJ/EG.4/2013/2، صفحة 12.
([36]) يقصد بجوهر الدليل الجنائي لبّه و مضمونه الأساسي فهو من الوجهة المجردة يحتوي أساس عناصر إيجابية أو سلبية يتزايد قدر أحداها على الأخرى حسب كبيعة الدليل و تنوعه باعتباره دليلا للإثبات أو النفي فالعناصر الإيجابية تميز أساسا دليل الإثبات و تتزايد فيه على تلك العناصر السلبية، و ذلك بسب ما يهدف إليه ذلك الدليل من التّوصل إلى خلق حالة اليقين المطلوب توافرها كأساس للحكم، بينما ترجح العناصر السلبية في دليل النفي أو البراءة نزولا على ما تقتضيه طبيعة هدفه من مجرد التشكيك في ثبوت التهمة، و من ثم استمرار صيانة الأصل الإثباتي القائم على افتراض البراءة و هذه العناصر التي ترتبط بمحل الإثبات، و الذي يقصد به بصورة عامة تلك الواقعة الإجرامية المراد إثبات وقوعها و كذلك صحة إسنادها إلى شخص المتهم.راجع : أحمد ضياء الدين محمد خليل، مشروعية الدليل في المواد الجنائية، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة القاهرة، مصر، 1984، ص 379-380.
([37]) و في هذا الصدد نجد أن مصطلح الحاسوب يتّسع لأبعد من مفهوم الحاسوب الشخصي أو المنزلي ليشمل أي جهاز له قابلية استقبال البيانات ومعالجتها إلى المعلومات ذات قيمة يخزنها في وسائط تخزين مختلفة، وفي الغالب يكون قادراً على تبادل هذه النَتائِج والمعلومات مع أجهزة أخرى كالهواتف المحمولة و الأجهزة اللوحية بالإضافة إلى الملقمات و الخوادم و غيرها مما قد تتيحه التقنية مستقبلا، و تفاديا من قصر وعاء هذا الدليل في نطاق ضيق من الأجهزة نجد أن التشريعات تعتمل مصطلح النظام المعلوماتي بدلا من مصطلح الحاسوب.
([38]) و يقابل هذه الألفاظ في اللّغة الإنجليزية : "Digital evidence"، "electronic evidence "، "Computer evidence".
)[39]) Sveva Avveduto, Sara Conti, Daniela Luzi, and Lucio Pisacane ,The Conceptual Representation of the “Electronic Evidence” Domain, Handling and Exchanging Electronic Evidence Across Europe, Springer International Publishing, 2018,p163.
([40]) سليمان غازي بخيت المقيطي العتيبي، دور البحث الجنائي في الكشف على الجرائم المعلوماتية، رسالة دكتوراه، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، المملكة العربية السعودية، 2016، ص 79.
)[41]( Kerr, Orin S., Digital Evidence and the New Criminal Procedure, Columbia Law Review, Vol 105, Issue 1, 2005, p 299.
([42]) اعتمادا على طبيعة الجريمة التي يجري التحقيق فيها، فإن أجهزة الحاسوب قد تكون بحدّ ذاتها مجرّمة أو أداة لجريمة فعلى سبيل المثال، يعتبر الحاسوب بحد ذاته مجرما متى اسُتغِل في تخزين مواد إباحية متعلقة بالأطفال، و يمكن اعتباره أداة للجريمة في الأحوال التي يُستعمَل فيها لارتكاب قرصنة أو إرسال تهديدات، أو نشر و توزيع مواد فاحشة. على الرغم من أنّه يمكن القول بأن أيّ جهاز حاسوب يستخدم لتخزين أدلة الجريمة هو أداة بنفس الوقت، فإن القضاء الأمريكي انتهى إلى القول بأنّه لكي يعتبر جهاز الحاسوب أداة للجريمة وجب أن يكون استخدامه أمر ضرّوري في ارتكاب الجريمة و قد أشارت الدائرة العاشرة إلى معيار التمييز بينها إلى أن "أجهزة الحاسوب كانت أكثر من مجرّد "حاوية " للملفات، بل كانت أداة للجريمة". لمزيد من التفصيل راجع :
H. Marshall Jarrett, Michael W. Bailie, Ed Hagen , Nathan Judish, Searching and Seizing Computers and Obtaining Electronic Evidence in Criminal Investigations , Computer Crime and Intellectual Property Section Criminal Division Published by office of Legal Education Executive office for United States Attorneys, 3d ed. 2009, p 71.
)[43]) Conseil de l’Europe, Problèmes de procédure pénale liés à la technologie de l'information (Recommandation no R (95) 13 et exposé des motifs), Editions du Conseil de l'Europe, Strasbourg, 1996, note 14.
([44]) عمر محمد بن يونس، الإجراءات الجنائية عبر الإنترنت في القانون الأمريكي المرشد الفدرالي الأمريكي لتفتيش و ضبط الحواسيب توصلا إلى الدليل الالكتروني في التحقيقات الجنائية – ترجمة و دراسة و تحقيق- الطبعة الثانية، دار النهضة العربية، مصر، 2006 ، ص 31.
)[45]) H. Marshall Jarrett, Michael W. Bailie, Ed Hagen , Nathan Judish, Searching and Seizing Computers and Obtaining Electronic Evidence in Criminal Investigations , Computer Crime and Intellectual Property Section Criminal Division Published by office of Legal Education Executive office for United States Attorneys, 3d ed. (2009).p 7.
([46]) حيث تم اعتماد مصطلح " الدليل الكتروني" ضمن هذا المقترح و على الأخص ضمن الفقرة 06 من المادة 02 من هذا المقترح و التي جاء فيها و أن مفهوم الدليل الإلكتروني ينصرف إلى " الأدلة المخزنة في شكل إلكتروني من قبل مزود الخدمة أو من في حكمه وقت إصدار أمر بإنتاج بيانات معلوماتية أو حفظها، و التي تتألف من بيانات المشتركين و بيانات الولوج و كذا بيانات المعاملات و بيانات المحتوى".
Article 2 alinéa 6 de la Proposition de règlement du Parlement européen et du Conseil relatif aux injonctions européennes de production et de conservation de preuves électroniques en matière pénale COM/2018/225 final - 2018/0108 (COD) stipule: "preuve électronique , preuve stockée sous forme électronique par un fournisseur de services ou en son nom au moment de la réception d’un certificat d’injonction de production ou de conservation, consistant en données stockées relatives aux abonnés, à l’accès, aux transactions et au contenu ".
([48]) حيث تكرر هذا المصطلح في مادة التعريفات و كذا المادة التي عالجت حجية هذا الدليل في كل من التشريعين، حيث تنص المادة 24 من المرسوم التشريعي السوري رقم 17 لسنة 2012 المتعلق بتطبيق أحكام قانون التواصل على الشبكة ومكافحة الجريمة المعلوماتية على ما يلي:"حجية الدليل الرقمي: (أ) يعود للمحكمة تقدير قيمة الدليل الرقمي شريطة تحقق مايلي: 1- أن تكون الاجهزة الحاسوبية أو المنظومات المعلوماتية المستمد منها هذا الدليل تعمل على نحو سليم . 2- ألا يطرأ على الدليل المقدم إلى المحكمة أي تغيير خلال مدة حفظه .(ب) يعد الدليل الرقمي المقدم الى المحكمة مستجمعا للشرطين الواردين في الفقرة (أ) من هذه المادة مالم يثبت العكس". و بذات السياق تقريبا وردت المادة 11 من القانون المصري رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات و التي جاء في متنها: " في الأدلة الرقمية : يكون للأدلة المستمدة أو المستخرجة من الأجهزة أو المعدات أو الوسائط أو الدعامات الالكترونية، أو النظام المعلوماتي أو من برامج الحاسب، أو من أي وسيلة لتقنية المعلومات نفس قيمة وحجية الأدلة الجنائية المادية في الإثبات الجنائي متي توافرت بها الشروط الفنية الواردة باللائحة التنفيذية".
([49]) القرار الصادر عن الهيئة العامة للمحكمة العليا بالسعودية بتاريخ 12 جانفي 2018 تحت رقم 34 (غير منشور).
([50]) اعتمد القضاء الجزائري في عديد من أحكامه على الدليل المعلوماتي دون أن يتمسك بتسمية واضحة لهذا الدليل الجنائي، و مثال ذلك القرار الصادر عن المحكمة العليا مؤخرا و الذي جاء في موجزه " تعد المكالمات الهاتفية المسجلة على المستند الإلكتروني المتمثل في بطاقة ذاكرة الهاتف النقال، من ضمن الوسائل التي يمكن للقاضي الأخذ بها لإثبات جريمة الزنا"، انظر القرار الصادر عن المحكمة العليا غرفة الجنح المخالفات بتاريخ 29 مارس 2016 رقم 1010894، المجلة القضائية للمحكمة العليا، قسم الوثائق و الدراسات القانونية و القضائية، العدد 01، 2016 ، ص301.
([51]) إنّ القيمة الفلسفية للبيانات(Data) لا تكمن في حيازتها، بقدر ما ترتبط بإمكانية العمل على استردادها، فالقيمة الاستردادية للبيانات تتمثل في مدى إمكانية استرداد معلومة محدّدة يكون الباحث في الحاجة إليها، لذلك فإن المفارقة بين الاثنين تعد قائمة حقا إذا تأملنا دور كل منهما، فالبيانات منطقة فلسفية تأملية لا تحتاج إلى تخزين و لا تحتاج إلى بث لها ما لم يكن المرء في حاجة إليها، لذلك فإنّ التخزين هو المقابل الحقيقي لفكرة البيانات في معنى عدم إمكانية الفصل بينهما. أما المعلومات(Information) فإنّها تتميز بالتحديد من حيث أنّ الإنسان إذا كان في حاجة إلى معلومات فإنّه لا يستطيع استرداد كافة المعلومات الممكنة، و إنّما يظل في حاجة إلى تحديد معلومة معينّة في كل مرة يحتاج فيها إلى هذه أو تلك المعلومة و في هذا فإنّ العملية الاستردادية للمعلومات من البيانات المخزنة في الحاسوب أو في العالم الافتراضي تتشابه مع تلك العملية التي يمارسها العقل حال استرداده لمعلومة مخزنة في ذاكرته ( منطقة التخزين ذات مستهدف استردادي بالضرورة)، فمنطقة التجاوب بين عبارة البيانات و بين القيمة الاستردادية لها تتمثل في المعلومات. راجع: عمر محمد بن يونس، المرجع السابق، ص 20.
([52]) و لا يُغير من موقفنا هذا، قول بعض الفقهاء أنّ ربط الدليل الرقمي بفكرة المعلومة يجعل موضوع الدليل الرقمي يؤدي دوره في إطار عملية استرجاع أو استرداد المعلومات فقط، بحيث لا يكون دليلا سوى كل ما يمكن استرجاعه أو استرداده من معلومات. في حين أن منطق التعامل مع الحاسوب يمكن أن يكون أساسه التعامل مع بيانات متكاملة قد يكون من المعتاد ظهورها على شاشة الحاسوب لكي يمكن التعرف عليها، ولكن لا يعد ذلك شرطا يلزم وجوده. و في تقديرنا فإن هذا النقد يعبر عن مفهوم خاطئ لمدلول المعلومة، فكل بيان يتم استرجاعه يعتبر معلومة و لو تعذر على غير المتخصص إدراك معناها لما تمتاز به من تعقيد يترجمه الخبراء عن طريق برامج خاصة إلى معلومات تظهر على شاشة العرض، و لو سلمنا جدلا بصحة هذا النقد بأنه توجد أحوال تشكل فيها البيانات دليلا جنائيا يدركه الحاسوب و لا يعد ظهوره على شاشة العرض شرطا لازما لاعتباره كذلك، فما الذي يقدم إلى القضاء في هذه الحالة كدليل يحقق حالة اليقين لدى القاضي للحكم بالبراءة أو يرجح موقف الشك لديه فيصون الأصل الإثباتي القائم على افتراض البراءة؟ أو بعبارة أخرى ما هي عناصر الدليل الجنائي في هذه الأحوال إذا اعتبرناه كذلك ؟ هل هي الأرقام ( 0-1) كتمثل للبيانات داخل ذاكرة وسيط التخزين؟.
حول حقيقة عرض الدليل المعلوماتي في شكل مرئي "visible" في مرحلة الفحص الجنائي الحاسوبي يراجع :
Carrier Brian D, op cit, p 7.
([53]) حيث تمت صياغة المادة 122 من القانون المشار اليه سابقا كما يلي:" يعود للمحكمة تقدير الدليل الرقمي أو المعلوماتي وحجيته في الإثبات، و يشترط أن لا يكون قد تعرض لأي تغيير خلال عملية ضبطه او حفظه او تحليله".
([54]) و هو ما يقودنا الى القول بالارتباط بعلوم أخرى، إذ ترتبط الأدلة المعلوماتية بعلوم أخرى تساعد على استخلاص الدليل المعلوماتي و جمعه من مسرح الحادث لتحديد البصمة الرقمية و هذه العلوم يطلق عليها "علوم المعامل الرقمية"، و تشمل هذه العلوم علوم الكومبيوتر التي تقدم المعلومات التكنولوجية الدقيقة، و هي مطلوبة لفهم المظهر أو الهيئة أو الكينونة الفريدة للدليل المعلوماتي، و لا يمكن استخلاص هذا الدليل بالشكل الصحيح إلاّ من خلال وجود مختصين في هذه العلوم، كما تشمل علوم الأدلة المعلوماتية، علوم الأدلة الجنائية التي من شأنها أن تقدم منظورا علميا لتحليل أيّ شكل من أشكال هذا الدليل، و تساهم علوم التحليل السلوكي للأدلة المعلوماتية، في الربط المحدّد بين المعارف التكنولوجية و بين الطرق العلمية لاستخلاص الدليل المعلوماتي، و لفهم أفضل للسلوك الإجرامي التقني، و هذه العلوم مجتمعة تؤدي للكشف عن الدليل المعلوماتي و التحقق من أصالته و مصدره كدليل يمكن تقديمه لأجهزة إنفاذ القانون، و تحديد خصائصه الفريدة و إصلاحه و إعادة تجميعه من المكونات المادية للحاسوب و عمل نسخة أصلية منه للتأكد من عدم وجود معلومات مفقودة أثناء عملية استخلاص الدليل كما يمكن جمع "الآثار المعلوماتية الرقمية" التّي قد تكون تبدلت خلال الشبكة المعلوماتية و التأكد من أن الدليل لم يتم العبث به و تعديله من خلال استخدام خوارزميات محددة و عن طريق هذه العلوم يمكن تحريز الدليل المعلوماتي لإثبات انه أصيل و موثوق به و يقع ضمن سلسلة الأدلة المقدمة في الدعوى و تحديد الخصائص المميزة لكل جزء من الأدلة المعلوماتية مثل المستند الرقمي، البرامج و التطبيقات و الاتصالات و الصور و الأصوات و غيرها.
يراجع بهذا الخصوص: ناصر بن محمد البقمي، أهمية الأدلة الرقمية في الإثبات الجنائي، دراسة وفقا الأنظمة السعودية، مجلة الفكر الشرطي، مركز بحوث الشرطة القيادة العامة لشرطة الشارقة، الإمارات العربية المتحدة، مجلد 21، عدد 80، 2012، ص 32-33.
([56]) ميسون خلف حمد الحمداني، مشروعية الأدلة الإلكترونية في الإثبات الجنائي، مجلة كلية الحقوق جامعة النهرين، العراق، المجلد 18، العدد 2، 2016، ص 200.
)[57]( Howard A. Denemark, Search for Scientific Knowledge in Federal Courts in the Post-Frye Era: Refuting the Assertion that Law Seeks Justice While Science Seeks Truth, High Technology Law Journal ,Vol. 8, No. 2 (1993), p266.
([59]) فيصل بدري، مكافحة الجريمة المعلوماتية في القانون الدولي و الداخي، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق جامعة الجزائر1 بن يوسف بن خدة، الجزائر، 2017، ص 227.
([60]) محمد علي سالم، الإثبات الجنائي عبر الوسائل الإلكترونية دراسة مقارنة، بدون رقم الطبعة، دار المطبوعات الجامعية، مصر، 2020 ، ص 349.
([62]) حسن عواد السريحي، دور البحث الجنائي في الكشف عن الجرائم المعلوماتية، رسالة دكتوراه، كلية العدالة الجنائية جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، المملكة العربية السعودية، 2016، ص 80.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق